دعاش

ثقافى إجتماعى


    رواية البحيره

    شاطر
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 29
    نقاط : 88
    تاريخ التسجيل : 04/04/2010

    رواية البحيره

    مُساهمة  Admin في الإثنين أبريل 12, 2010 3:38 am

    الفصل الأول

    ( الألم )

    كانت البحيرة المترامية حول ديزني لاند فيللج بباريس ممتدة امامها , حيث كانت تقضي اياما من عطلة الصيف مع شقيقتها وابناءها والخضرة البهيجة تحيط بها ، والزوارق الصغيرة المبهرجة الألوان الممزوجة بصرخات الأطفال وذويهم تعزف موسيقى ساعة العصرية الحلوة التي يلفها الغيم والبرودة الخفيفة التي تخدر الأعصاب وتملء المخيلة بالشجون .. لكنها لم تر ذلك كله ، ولم تنجح الصورة الخيالية لإبداع الخالق في رسم الطبيعة الخلابة المبهرة كأنها فرت من قيود لوحة عملاقة لتملأ الأفق بالصوت والصورة .. لم تفلح هذه الصورة المضيئة المبهرة في نقل روح المرح والدهشة والفرح اليها،لم تر الجمال ولم تخطف انتباهها الروعة ، ولم يسلب مشاعرها هذاالمكان العجيب المبهر المتجلي بالتصوير والجمال .. كانت مستلبة بمشاعر الفجيعة والآم الفقد ، فاقدة الإحساس بالمتعة والبهجة .. كانت الإحباطات داخلها تشدها الى قاع هوة عميقة ودوامة جبارة من الضياع والتية.هناك صرخات تضج داخلها ، وتقلصات مفجوعة بالخوف وعدم الفهم وغياب التفسير للإسئلة الحائرة التي تضج بها اعماقها وتأخذها بعيدا بعيدا ، وتملأ حياتها بالحزن والكآبة ، وتحول طعم الأشياء الى احساس بالمرارة سواء اكانت طعاما او شرابا او مجرد صمت تلفه اللوعة.
    لم تكن وحدها كانت هناك شقيقتها وضحة وابناءها الأربعة الذين تتعالى اصواتهم الفرحة المجلجلة بالإنطلاق والمرح والشقاوة كفراشات تتراقص حولهم وتعزف موسيقى سماوية من البراءة والطهارة والشفافية .. فمهما تشعبت شقاوة الأطفال فستظل تحمل بصمات العفوية والنقاء.كانت وضحة هي الأخرى لا تلحظ هموم سارة ولا اندحارها الداخلي كانت لها انكساراتها الخاصة ، وقد خلفت بالوطن ابنها البكر المسجى في المستشفى منذ عامين لا يدرون هل سيعود من رحلة الغيبوبة ام قد فقدوه الى الأبد،كانتا جالستين على المقعد الطويل قبالة البحيرة المتوهجة بنور الهي تعكسة اشعة الشمس المتكسرة على امواجه ومراكبه الشراعية الصغيرة التي يحركها الأطفال بالريموت كنترول أو الأكبر منها التي يعتليها السواح للطواف برحلة تعريفية بأنحاء هذه القرية السياحية التي خلقت للمرح والبهجة،ولكن أنى يكون هناك فرح لقلوب استوطنتها الهموم وكفنتها المأسي وخنقتها الآلام،ما زالت سارة تغرق في افكارها وقد غيبتها تماما ذكرياتها ومواجعها والأشباح التي تسكنها وتجردها من حقها الطبيعي بالإحساس بالبهجة والمرح حولها .
    عندما وضعت في عقلها ان هذه الكراسي التي يقتعدونها والمبرمجة بحيث تنثني بقوة الى الأمام ثم الخلف او الى اليمين واليسار بدرجات متلاعب بها ، وبزوايا قصيرة او حادة بالإضافة الى ضبط الشاشة العملاقة في قاعة النيازك الفضائية بديزني لاند باريس بأنها مجرد لعبة بحيث يتوهم الإنسان بوجوده بمركبة فضائية هائمة في الكون السماوي الفسيح مهددا بالإصدام بالكواكب السيارة بسرعة جبارة لا يستوعبها العقل ثم التحول عنها بأسلوب يكاد يوشك على الوقوع من عل بين الجبال الشاهقة،هذا الرعب اللذيذ الذي يشد الأعصاب ويدفع الناس للتعلق بكراسيهم المربوطة بإحكام بأربطة الأمان ، وهذه الصرخات الجماعية عندما تنطلق المركبات الفضائية بسرعة صاروخية تكاد تتصدم بالنيازك او تهوي بين حمم البراكين او وعورة الغابات وتشابك ادغالها ، هذه المتعه المشوبة بالخوف الذي يصل لحد الترويع .. فقدتها تماما عندما وضعت في عقلها انهم مجرد مسمرين بالأرض ولا يعدو الموقف سوى الحركة المبرمجة للكراسي التي يجلسون عليها مع الشاشات والموسيقى المنضبطة بها ، عندها فقدت اللعبة متعتها ولم تعد تشعر بالخوف اللذيذ المشوق المشوب بالمرح.اصبح الموقف مجرد كراسي تتحرك بقوة وبإنحناءات مزعجة في اتجاهات متضادة ، وإناس مسمرين امام شاشة عملاقة تظهر فيها السماء والنيازك والكواكب والجبال والوديان والبراكين ..الخ ..مجرد سينما وفيلم متحرك ولا شيء اكثر ..!!هكذا الحياة بفواصلها الموجعة ..!! لو اخذناها بالتفصيل العقلي فهي مجرد احداث تافهة مكتوبة على جبيننا علينا ان نعيشها ، ومراحل علينا المرور بها ، ومشاعر علينا مواجهتها ، ودموع لا بد من سفكها ومواجع لا بد من تحملها،إنه القدر ..!! وما هو مكتوب على الجبين لا بد ان تراه العين ..!!
    ولن يصيبكم إلا ما كتب اللة لكم .. ولو اجتمعت الجن والإنس على أن يضروك بشيء لن يضروك إلا بما كتبه اللة عليك،تسعى يا بني آدم سعي الوحوش غير رزقك ما تحوش ..!
    الأمور مقسمة في ميزان مسطور لا يمكن للإنسان معاندتها او تغييرها..!!لو استطاع الإنسان برمجة افكاره بالقوة ذاتها التي تمت مع لعبة الكراسي المتحركة فإنه سينظر الى احداث الحياة ببرود ودون خشية والم وقهر ..!! ولسوف يقضي على الخوف من مواجهتها لو نجح في التحكم بانفعالاته تجاه مفاجآتها،ولكن من ناحية اخرى .. لو استطاع ان يعزل مشاعر الألم بالخسارة والظلم والندم والغضب .. لو استطاع .. لفقدت الحياة قيمتها ورونقها وتشويقها ، لأصبحت لا شيئ بدون متعة الإحساس والشعور بشيء ما ولو كان الحنق والقهر والغيظ ..!!لعاش مرتاحا منبسطا ولكن بدون انفعالات ، لا حزن وأيضا لا فرح ، لا ترقب ولا دهشة ، لا خوف وايضا لا سعادة ..!!
    مجرد بلادة وموت بالمشاعر ، كأن لحظة التفاعل والنشوة والتوهج لا بد من دفع ثمنها الفادح بأيام من المعاناة المسفوحة بالمشاعر المركبة المتضادة ،من يتحكم بالحياة ..؟؟ قد يحظى الفقير المعدم في الأرياف بصحة يفتقدها ابن القصور والضياع.ومن تملك الشعر الغزير الكثيف قد تكون معدمة لا تجد ما يسد رمقها بينما يضحك العطارون على الغواني بالمساحيق والأعشاب التي لا تملك اضافة شعرة واحدة اليهن ..!!انها هبة اللة ..لذلك فمن المفروض الا يكون هناك جزعا عند الخسارة او الفقد ، لا هلعا عند فقد الأعزة والأحباب ، لا انهيار عند المصيبة والمأساة ..!!
    إنها تعلم بأنها ليست كما كانت .. فإن هذه الأحداث قد مزقت توافقها النسبي ، ودمرت استقرارها الروحي ، واوقعتها في الدوامة المتخبطة المجنونة .. سلبتها وعيها بالأحداث وترابطها .
    لم تعد من سكان هذا الكوكب وصخبه وفورانه .. اصبحت كثيرة النسيان ، تنفصل عن واقعها وتقع تحت تأثير السفر في عوالم اخرى تأخذها بعيدا وتغيبها عن حاضرها ..إن المشاكل تختلف او تزداد وتيرتها بقدرة اصحابها على التحمل ، فمن يصمد تحت وطأة مرحلة ما سرعان ما يجابه بتيار اقوى .. مثلما يحدث خلاف بين الجانبين ويضغط الجانب الأول فإذا لان الجانب الثاني معناه إن هذه حدود مقاومته فينتهي الإشكال بالإستسلام ، وإذا عاند قليلا تستمر الضغوط حتى يستسلم ، إما إذا استمر بالرفض والمجابهة فيزداد الهجووم بدرجات ودرجات بمستوى العناد والصمود وردود الأفعال المقدمة وذلك يختلف من شخص لآخر ..!! ولابد إن قوتها الداخلية اوصلتها الى مرحلة متقدمة من الصراع ..!! فكلما استحملت وعاندت وكابرت كلما ازداد الضغط وتناثرت المواجع وتفننت النفوس المتواطئة في الركل وشد اللجام ..!
    الخوف ..
    كائن غامض يغشى الأرواح بتهويمات مفزعة ، يصدقها المرء وتسكنه بشراسة ، وتنتشر اشباحها المجسدة حوله ، تفيض سيطرتها عليه بحيث لا مهرب منها كالعنكبوت وشبكتها وخيوطها المتعفنة ، كالحمى وحرارتها وهذيانها وتخريفها،هكذا الخوف ..انه عدو غامض .. يباغتك في لحظة ممتطيا جواد الوهم،هل يسكن الأرواح المفجوعة فقط هل هومرض يصيب النفوس المنكسرة الوحيدة التي فقدت الكثير من امنها ، وفقدت ثقتها في نفسها وقدراتها ..التي يخدعها انطوائها وتقع في براثن الأشباح والشياطين ..!!هل لهذا السبب احاط الإنسان القبلي نفسه بالعصبة والعزوة ، لتشعره بالقوة عندما ينهار ولتعصب جراحه عندما تنهال عليه السهام الغادرة بفعل الزمن والمقادير ..!!هكذا الوحدة تلقي الروح في بئر عميقة من الظنون والتهيؤات والأوجاع ..!!
    فجأة يتحول تصرف بسيط من الآخرين الى قضية ، وتنقلب كلمة يحتمها الصراع اليومي في الحياة الى ازمة لو احدا اضاء امامها شاشة قبل عشرين عاما لترى منظرا مستقبليا ، وهي وحيدة في امريكا مقعدة على كرسيها المتحرك تقاوم الثلج والرياح الباردة في الممرات اللزقة بين السكن الجامعي وقاعة المحاضرات لأنتابها الخوف والإحباط والتجمد ..ولما استطاعت ان تواجه ذلك ولشكت في قدرتها على الإحتمال.ولظلت تخشى هذه اللحظات قبل حدوثها بعشرين سنة ، ولظلت تترقب كل لحظة اصابتها وجلوسها على الكرسي وتتكهن بسبب الإصابة .. هل هو بسبب حادث ..؟؟ مرض ..؟؟ وما حجم الإصابة ..؟؟ شلل كامل ..؟؟ كسور و رضوض ..؟؟ وبكل ثانية ..وستظل تراقب نفسها بكل حركة وكل ركوب للسيارة أو الطيارة او اي نشاط تقوم به وتحت مظلة اي مكان ستتوقع حدوث ما سبب لها ذلك ..!! ثم كيف ستتخيل إنها ستعيش في ظل ظروف كهذه كطالبة من جديد وأين في امريكا ..!! إنها حكمة جهلنا بالأشياء لنمضي حياتنا بطمأنينة حتى حدوثها ..حتى لا نعيش الم انتظارها وهو يبلغ اضعاف معايشتها لإننا نواجه عدو مجهول ..ويعجز عقلنا عن فهم الظروف المحيطة بنا والتي ستجعل تقبلنا للنكبة بصورة مختلفة تماما مما نتوقع ونستوعب ولا حول ولا قوة إلا بالله ،أما الآن فبكل بساطة .. تدرك إنها اختارت بإرادتها بعد وقوع الحادث اختيار هذا المصير وكافحت لتحقيقه ..!! ولم يهزها كونها حبيسة الكرسي في بلاد غريبة تكاد الرياح الباردة تطوح بها والأرض المنزلقة تقودها الى التصادم والعجز.لقد اصبحت هذه الأمور في سياقها الطبيعي وتحت ظروفها المعاشة محتملة ومستوعبة وجزءا من التعامل اليومي.فهي تؤدي دورها الذي اختارته بنفسها وتحاول فرضه وانجاحه.انه مكانها الطبيعي الذي تنطلق منه والذي لو حرمت منه فستفقد جزءا كبيرا من طموحها ومسارها ..كيف تختلف الأولويات وتتحول المخاوف الى ابجديات ..؟؟ كيف تكون الأمور في زمانها الصحيح محتملة ، وكيف تكون مخيفة ولا يمكن استيعابها او تخيل القدرة على حدوثها او نتائج هذا الحدوث قبل ان تكتمل وتنضج..!!كانت اختها وضحة تجلس بجوارها ترعى اطفالها المتراكضين بحبور حولها بقلب ساهم هي الأخرى.يالله .. لكل له مواجعه والآمه الخاصة ولكن ما اقسى ان ينقل المرء نزيفه الداخلي معه في اسفاره ويرقبه وهو يسري كالسم في عقله وخياله واحلامه ونومه واستيقاظه ويتحول كالعلقم في حلقه ويحول طعامه وشرابه الى قطران يغلي تعافه النفس،تحاول ان تتذكر شيئا جميلا حيث ينصح علماء النفس بحفظ الذات من الإنهيار والسودواية بأنه يجدر التفكير بمشاعر تجلب الدفء والطمأنينة والمحبة الوى النفس لتهدئ من اوجاعها وسخطها وروعها وضياعها،ولكن حتى هذا التفكير لن يكون بلسما كافيا .. لإنه يتضمن التناقض داخله.فبينما من المفروض أن يحمل الإحساس بالإنسان الوحيد الذي تعتقد انها قد تحبه إلا إنه في نفس الوقت يعتبر الجهة التي ادخلتها في دوامة التعاسة والقلق وقلبت حياتها الى كتلة من الإضطراب،لا تستطيع ان تفصل بين الإحساسين وإن كانا لشخص واحد ..!! ولكنها مضطرة لتخفف من ثقل المشاعر وبؤسها وخصوصا عندما تتوقف دون حل ..!! دون اجابة ..!! فلا تملك ان تمنحه عذر إنه لا يدرك الحقيقة وإنه واقع تحت تأثير بطانته ..؟؟ وإن ما ينقل اليه يكون معجونا بالحسد والحقد والإكاذيب .. وبين حقيقة .. إنه كان واعيا بقراراته واتخذها بتصميم وقوة لحماية مصالحه وإنه مخلوق من نسيج مختلف عما تود ان تسبغه عليه من مبادئ ومثل وإنها لا تود الإعتراف بهذه الحقيقة وتتجاهلها وتتعامى عنها، انها تعلم انها متواطئة مع عواطفها ولو لفترة لفترة محدودة لتهدئتها لإنها تدرك بأن هذا التعلق بلا امل ولا يمكن ان يعاش ..!! انها تتعلق بالخيال والأحلام لتهدئ من وطأة الواقع وتسكب عليه قليلا من الطلاوة لتخفف من جهامته وقتامته ، وتقلل من عبء جفافه والمه،إنها تخلط ما بين تعلقها الميئوس ( بسلطان ) وبين يقينها بإستحالة العلاقة بينهما ، لإنهما من عالمين منفصلين متضادين يقوم كل حزب منهما بمحاربة الآخر ..!! يااللة متى ستعترف بذلك بشكل صريح وعلني يتناسب مع عواطفها المشبوبة نحوة ..؟؟ متى سيتم التوافق بين رغبتها وبين واقعها ..؟؟ متى ستتخلص من ازدواجية التفكير التي تحميها من اليأس والقنوط والنهاية ..؟؟ انها اشبه بشخص يسقط من علو شاهق ، انها تحاول وهي تسقط ان تخفف من وطأة السقوط بالأحلام والمنى والتوقعات لتظل تحلق وتحلق وربما تتغير الظروف والمقادير والأحاسيس اثناء السقوط ، وتنبت وسادة ضخمة تحميها من الإنسحاق والدمار والتفتت.
    هما من عالمين متضادين ومع ذلك تحبه ..!! يا هذا الحب الشيطاني الخبيث الذي يتمثل للناسك بصورة شابة جميلة مغرية ليلهيه عن صلاته وعبادته اللذين أفنى عمره في محرابهما.إنها تعلم بأن سلطان سيظل الشخص الذي ستظل متعلقة به ولو من بعيد ..!! لإن الإقتراب منه سيكشفه بل سيحرقه ، إنها تعلم بالتأكيد انه لن يفوز عليها ولن يسحرها إذا اقتربت منه اكثر ، لإنها ستكتشف اكثر مما تعرفه عنه الآن ، إنها تعلم بأنها ستبطل الإسطورة وتهشم الصورة السحرية التي تشعر بها تومض حوله ، لذلك لا تخاف على نفسها من الإنبهار به ان اقتربت منه بل من الصدمة من قسوة حقيقته.ولكنها تحتاج الى الإحتفاظ بالوهج الرائع الذي يشيعه حولها ، وتشتاق الى الذوبان في اريج هذا الشعور حيث أن سلطان هو الإنسان الوحيد القادر على منحها إياه ..!! ولكن الأغرب من كل ذلك إنها لم تقابل سلطان ولم تره سوى لمحة عابرة وسط اكوام من البشر ، فكيف تدعي هذه الأحاسيس المشحونة بالتدفق والوجد ..؟؟ وكيف يخامرها هذا الشعور بما يحمل من نبض الشوق والألق ..؟؟ وكيف عاش داخلها شهورا بل سنوات وملأ حياتها وسرى بين عروقها وانفاسها وخفق بين اضلعها وملئها بالدفء والسعادة والتجدد ..؟؟
    انه الشعور الذي تريد التمسك به وخزنه داخلها لإنه ليس هناك غيره من يستطيع منحها إياه او يشعرها بسريانه ورجفته ..!! هذا الإحساس الذي يتوغل فيها ويملأها بالمشاعر المتوثبة المتناقضة هو ما تحافظ عليه وتتشبث به ولكن كيف تفصله عن سلطان وهو سلطان نفسه ..؟؟
    لا تدري متى احبته ولكنه كان شعورا كالمخدر اللذيذ الذي يتسلل الى الأعصاب بهدوء وبساطة وكقدر محتوم عليها مسايرته ،لم تحس يوما بأنه انسان دخيل او غريب بل كان صنو روحها ونبراسها الذي تتوجه اليه ،لقد لمعت وابدعت في عملها لإنها تنفذ افكاره ورؤاه كما استشفتها بأحاسيسها ، وكما ترجمتها بتوقعاتها لمعتقداته.كانت تفسر سياسته بأسلوب عملي وتطبق فلسفته الإدارية بفهم روحي ، كانت تعمل لإنها تتوجه اليه بجهدها تتزود منه الثقة والقوة والدعم.
    كانت هناك ذبذبات خفية تسبح في افقها تستقبلها حواسها ، وتشبع عالمها وتمنحها القوة لكي تعمل وتبدع وتتفوق.بدأت قصتها منذ أكثر من عشرين عاما عندما تحدد طموحها منذ إن كانت طالبة في المرحلة الثانوية .

    الفصل الثاني
    (الحلم)

    في العام 1982 كانت تستعد لدخول امتحانات الثانوية العلمية ولديها هدف واحد لا ترى غيره ... العمل في مؤسسة صناعية كمهندسة مختبر،ومع انه لا مجال للفتيات للعمل في هذا الحقل الصناعي سواء أكان في استيعاب المجتمع وتقبله او في المقررات الجامعية حيث إن جامعة قطر تركز على تخريج المدرسات فقط من الفتيات ، وكان من المستحيل ابتعاثها في هذا التخصص للدراسة بالخارج من قبل البعثات التي لا تعترف به كتخصص للمرأة كعلم أو كوظبفة حيث لا توجد وظائف في البلاد في هذا المجال اساسا للنساء ..!! وحتى لو شجعتها الدولة فإن اهلها في تلك الفترة لا يستوعبون دراسة البنت بالخارج ومعناه بل يعتقدون إن عملها بحد ذاته شيئا جديدا عليهم بعد أن ظل مكان المرأة البيت لقرون طويلة توارثوا إرثها من تقاليدهم ومعتقداتهم.بل إنها لو كانت اصغر بسنتين واخوها اكبر بسنتين .. أي لو تبادلت الأدوار معه لأستطاعت الإلتحاق بجامعة القاهرة كمرافقة له .. حيث سافر شقيقها الأصغر للدراسة بالخارج في العام 1984 ولكن على الرغم من كل تلك الإحباطات إلا إنها ليست من النوع الذي يرضى بالظروف لكي تحدد مساره او يذعن لها دون محاربة على الأقل ..!!لم تشكل لها هذه الظروف عائقا او تفكيرا بل كانت تسير بتصميم واثق في طريقها غير عابئة بكل المعطيات الموجودة حولها.الم يقل لها مدرسها في معهد اللغة بأمريكا بعدها بسنوات عديدة بعد تخرجها من جامعة قطر وتوظفها ومرورها بتلك النكسة وذهابها أو هروبها لدفن أو مواساة نفسها في امريكا: إنك واضحة وتعرفين ما تريدين ، ولا تفعلين إلا الشي المقتنعة به ، ولا يمكن ان يجبرك احد على فعل شيء أنت غير راضية عنه ، ولا ان يبدر منك سلوك او تعبير لا ترغبين فيه ..!! اذهلها قوله بشكل كبير لإنه لم يمضي على كونه احد اساتذتها إلا وقت قصير ، ولم يكن هو بالشخصية المتأملة المفكرة على حد تقييمها له ، ولكن هل هو تفكيرها الواضح واسلوبها المحدد في التعبير حيث كان مدرسها في مادة الإنشاء ، ام هو الإنطباع العام عنها من خلال المدرسين الآخرين حيث انهم يقيمون الطلبة الأجانب ويدرسونهم من خلال اجتماعتهم وجلساتهم .. ولكنها بالفعل كانت خاصية بها تجعل حياتها كقطار يعرف مسار رحلته الطويلة ويعبها بثقة واقتدار،لقد دخلت جامعة قطر مع علمها بأن المقررات مهيأة لتخريج المدرسات لا المهندسات ..!! ولكن لم يكن هذا يشكل عائقا لهدفها المرسوم ولم يثنها عن التفوق والحلم بتحقيق ما تصبو اليه ولن ترضى بغيره. ولم تكن طالبة عادية ولم تكن افكارها وحماسها والجو الذي تشيعه حولها خافيا.كان وجودها يجعل للأشياء معناها وللظواهر دلائلها واسماءها.،اليست هذه المرحلة هي اجمل وانقى سنوات العمر ..؟؟ ملت منها ادارة الجامعة وهي تطرح موضوع افتتاح كلية لتدريس التخصصات الهندسية للفتيات ، ورفض مسؤولوها دعواها وعرائضها التي نجحت في استقطاب مجموعة من الطالبات لتبنيها والتحمس للأفكار المعروضة فيها للأستفادة من الموارد الطبيعية وإعادة خلقها في البلاد وذلك بالعمل على خلق القاعدة التنموية لها ، ولن يتأتى ذلك إلا بالإستفادة من جميع الكوادر الوطنية المتعلمة ومعظمها من الفتيات ..!! وتوضيح مدى تأثير النظرة الضيقة الآنية على تحجيم الإقتصاد الوطني بتعطيل استخدام وتأهيل نصف المجتمع او بصورة استقرائية اوضح تزايد معظم اعداد الطلبة الجامعيين اللاتي تمثلهن الإناث من حجم العدد الطلابي ، وإن انسيابهن في قطاع التربية والتعليم وحده سيشكل فائضا رهيبا لا نلمسه اليوم في بداية الثمانينات ولكنه سيطرح مشكلة مستقبلية في العشرين سنة القادمة وما بعدها ،ولكن يبدو إن الناس في تلك الفترة يعيشون اليوم بيومه ولا يفكرون بالمستقبل ولا يتخيلونه ولا يستطيعون التنبؤ بالقادم.فلم يخططوا للسنوات المقبلة وتركوا الأحداث تصنع نفسها ..!!ولم تكن الجامعة ولو إنها معقل التفكير العلمي والإعداد للمستقبل بمعزل عن بقية المؤسسات الأخرى في الدولة ، وكانت الروح العامة المسيطرة على البلاد كلها تؤمن بترك الأمور بيد القدر والتصرف حسب ما تفرضه الظروف وليس المساهمة بصنعها،لذلك كرهها البعض منهم لإنها تذكرهم بعدم استعداد الجامعة لدخول هذا المعترك بتاتا ولعدم قدرتهم على تحقيق هذه الخطوة سواء على المستوى العلمي أو على المستوى الإجتماعي لذلك اعتبروا الموضوع منتهيا بالنسبة لهم ، ولا مجال لطرحه بالدرجة الأولى حتى تتم مناقشته بالدرجة الثانية.اما البعض الآخر فقد اعتبرها حركة طفولية ساذجة من طالبات متحمسات تنقصهن الخبرة والدراية بالحياة ، وهي مجرد تنفيس انفعالي يحتمه حماسهن واندفاعهن في هذه المرحلة المتدفقة من عمرهن ، بينما استغله آخرون كنوع من الدعابة والتنغيص على ادارة الجامعة والتذكير بمحدوديتها وقصورها وعدم اكتمال قدراتها و استعماله كسلاح لمهاجمتها لأسباب شخصية تتعلق بهم ..!! وكذلك الطالبات انقسمن حولها .. فبينما لم يعر البعض منهن حركتها الإهتمام المطلوب وتجاهلنها بارتياب مترفع الإ إنها استطاعت شحن مجموعة متحمسة منهن ساندنها في نشاطها وحملت تواقيعهن عرائضها .
    أما هي فقد كانت ترى المطالب المطروحة من افق مستقبلي واعد يمهد البذرة الخصبة للنهوض بمستقبل البلاد وقدراتها.كان بالنسبة اليها يتعدى كونه مطلبا شخصيا يبلور مستقبلها كله لإنها لا ترى نفسها إلآ بهذه الصورة .. مهندسة تساهم في التنمية الصناعية لبلدها، لذلك ولدى السنة الدراسية الثالثة توجهت الى المؤسسة الصناعية الكبرى في البلاد بمطالبها مع زميلاتها اللاتي تعلقن بفكرتها وآمن بها لتقبل توظيفهن بها قد اصبح بعضهن في السنة الأخيرة من سنواتهن الدراسية المفعمة بالحماس والتثوير، حاملين مطالبهن الداعية الى الموافقة على طلب الحاقهن بالخدمة فيها وإعدادهن وتأهليهن وذللك بعقد دورات داخلية لصهر معلوماتهن الدراسية بالواقع العملي لهذه المؤسسة.وأيضا التأثير على إدارة الجامعة بطلب العمل على فتح كليات لإعداد المهندسات لا المزيد من المدرسات والنظر الى احتياج البلاد لا الإنقياد الى العادات والتقاليد والسائد والمألوف.
    لم يكن حال المؤسسة بأفضل من الجامعة ..!! فقد كانت الأسوأ من حيث تخلف الموظفين وسلبيتهم المقيتة واضمحلال حسهم التطويري ..!! كأنها كانت تدخل محيط حظيرة مليئة بشتى انواع المخلوقات دون تمحيص ..!! يختلط الحابل بالنابل ..!! الجيد بأسوأ خلق اللة سواء من حيث الكفاءة او المقومات الخلقية ..!! افواج من البشر قد اختلطوا بالمكان دون وجود خطة عمل او هيكلية وظيفية او اهداف انتاجية ..!! بل لم يحاول الموظفون عرض مطالبهن واقتراحاتهن المكتوبة كأضعف الأيمان على مجلس الإدارة ولو على سبيل العلم والتندر ..!!كان ذلك صعبا عليها ، الإزدراء والتهميش وعدم تقدير مساعيهن بما تحمله من نبض مشاعرهن وتلخيص لطموحاتهن.وبعد أن ايقنت إن مطالبهن كان مصيرها سلة المهملات بدون اعتذار أو تمويه أو مجاملة
    حشدت الطالبات محرضة اياهن للدفاع عن قضيتهن ، واعتبرت بأن رضاءهن بالواقع ليس خيارا بقدر ما هو هزيمة ، ومن يبدأ حياته بتقبل الهزائم فإنه لن ينجح ابدا في صنع خياره والدفاع عن معتقداته،وكان الوقت مناسبا عندما اخبرتها إحدى الطالبات عن طريق زوجها الموظف هناك بأن اجتماعا استثنائيا سيعقد لمجلس الإدارة لمناقشة بعض الأمور الطارئة كانت الطالبات يريدون مقابلة الشخصيات الكبيرة في المؤسسة واخبرتهم احدى الطالبات عن طريق احد معارفها بوجود اجتماع اليوم وهكذا قرروا القدوم وليس لديهم فكرة عن شكل هذا الإجتماع وظروفه والمسئولين المشاركين فيه،وقلما بل إنه كان من النادر ان يحدث اجتماع في هذه المؤسسة الصناعية لإنها كانت تدير امورها بأسلوب المجالس.فقد كان من المعروف ان تناقش الأمور بشكل عشوائي وحسب تواجد الأشخاص اليومي في مكتب الوزير كضيوف وليسوا كمسئولين عليهم رفع التقرير المكتوبة لا الملاحظات الشفهية لذلك كان يوما مشهودا عندما اقتحمت مع الطالبات اجتماع مجلس الإدارة في هذه المؤسسة الصناعية المحتكرة من قبل الرجال الذين كانوا يعتبرون المرأة المواطنة عورة ويجب ألا تكلم الرجال إلا من وراء حجاب وإن تتغطى بطرحة سوداء تغطيها من رأسها الى رجليها ولم يكن ذلك بناء على تدين أو منطلق عقائدي لإنهم يستقبلون المراجعات الإجنبيات الحسر ويستخدمون الوافدات المكشوفات الوجه والشعر كسكرتيرات .. بل إنها النعرة الإجتماعية .. كيف تجرؤ ابنة عائلة من قبيلة معروفة بالظهور علنا والعمل مع الرجال .؟؟ حتى ولو غطت رأسها وربما وجهها.إن وجودها نفسه شبهة ومنكر ..؟؟؟ وأين تتواجد .. في مؤسسة محتكرة على الرجال ..؟؟ لا بد إن هناك خلل ما وتدخل سافر وانتهاك واضح وربما قلة تفكير وهرج ..!!لذلك عندما وصلت الطالبات الى مكان الإجتماع وطلبن الدخول لتوضيح مطلبهن بشكل ودي وتعريفي لكسب الأرراء المؤيدة لهن والإجابة عن اية تساؤلات قد تطرح او تحتاج الى توضيح وإجابة تفاجئن بأن دهشة الموظفين وتعجبهم قد تحولت الى عدوانية سافرة تبناها بعض المدراء الذين خرجوا من الإجتماع وطلبوا من الفتيات الخروج ومغادرة المؤسسة بفضاضة .
    ومع إن الشرر كان يتطاير من بعض العيون والإستياء من قبل الآخرين .. عندما علموا بأنهن طالبات يتجرأن على التقاليد ويطلبن مزاحمتهم للعمل في المؤسسة إلا إن سارة داست على نفسها وطلبت القاء كلمتهن ومناقشة مطالبهن على الأقل ليفرغوا ما بداخلهن ويدافعن عن كيانهن ووجودهن ومن الظلم تجاهلهن وازدراءهن.كان منظر بعض المسئولين مخيفا عندما اعترضوا طريقهن وقاموا بطردهن بعدوانية سافرة واسلوب همجي يفتقد للحضارة والرقي ..!!.وحده سلطان .. سعادة الوزير شخصيا الذي كان يرأس اجتماع مجلس الإدارة الذي اجتمع بالصدفة يومها اشار اليهم بالصمت لتوضيح ما يجري،كان باب غرفة الإجتماعات مفتوحا عندما اختلط صراخ احد المدراء بأصوات الطالبات المفجوعات والمستهجنات للمعاملة الخالية من الذوق التي استقبلن بها دون ان يمنحهن احدا فرصة للتعبير عما جاؤوا من اجله.وقد كانت الكلمة الفصل للوزير الذي لم يشأ ان يمر هذا الموقف الشجاع لهؤلاء الطالبات بخيبة امل فظيعة لهن وطلب من الموجودين دعوتهم للدخول لغرفة الإجتماع لمعرفة ما يريدون ،لم يعجب الحاضرين مزاج سلطان الرائق الذي يجد فرصة لسمع لغو طالبات ضمن لجة اجتماع يقلق البعض من سبب عقده المفاجئ وما يحمل من تداعيات قد تضر بموقف ومصالحهم،كرر سلطان رفع يده وقال بإبتسامة مرحبة عريضة ..دعوهن يتكلمن ..!!بعد ان احتدمت عصبية موظفيه بأصوات الفتيات الغاضبة .
    وكان لكلماته وميض السحر على القطيع الغاضب الذي استحال للسكينة والوداعة.يا سبحان اللة بكلماته البسيطة تم ترويض الجمع المتجهم وعادوا الى مقاعدهم بينما بدأت الفتيات بالدخول على استحياء وتردد حيث توجهت الأنظار اليهن وقد ساد الهدوء النوعي القاعة ،بالطبع لم يدعوهن احد للجلوس لعدم وجود كراسي اضافية من جهة ولإن المجتمعين لا يعرفون الإتيكيت ولا يتصورون مشاركة النساء لهم من الأساس في اجتماعاتهم ..!!بإرتباك وقد رفضت الفتيات الأخريات توزيع العريضة المطبوعة للمجتمعين خوفا وخجلا وتهيبا من الموقف ، فقد قامت سارة بثبات وشجاعة بهذا الدور ثم عادت لتشرح بصوت ارادته ان يكون هادئا منطقيا مقنعا ثوابت الخطوة التي اضطررن الى اتخاذها وذلك للفت الإنتباه اليهن فمستقبلهن على المحك ، وموضوع الوظيفة لا يعني بالنسبة اليهن لقمة عيش بقدر ما هواثبات وجود وتحقيق اهداف وتوافق مع الذات،لم يفهم الحاضرون المنطق الذي تتكلم به ، ولم تحركهم المبادئ التنموية المستقبلية التي ترتكز عليه قضية التوظيف والإستعانة بالكوادر المؤهلة النسائية ، ولم يغيظهم ويثير همهمتهم إلا قولها في النهاية ،لم لا يفكر المسئولون بالمستقبل ..؟؟ ولم يظنونه يوما بعيد الوصول ، ام انهم يفكرون بكرسي السلطة فقط وما دام لا يضمنونه في العشرين سنة القادمة فإنهم لا يأبهون إلا باليوم فقط ، ويعيشون له ويقتطعون ما يستطيعون من خيراته غير آبهين بالأجيال القادمة ومستقبل الوطن .. وحده مرة اخرى رأى فيها مالم يراه الآخرون ، فهم سعة افقها وبعد نظرها ، ولا مس خطابها معتقدات خفية بباطن روحه ورغم انه وصفها بعد ذلك في تعليقاته امام موظفيه ومدراء اداراته بالطالبة المتمردة على وضعها التي سبقت زمانها إلا إنه احترم مطالبها ووجدها معقولة وتستحق التنفيذ رغم امتعاض الحاضرين واستياءهم،هكذا انفض اجتماعهن بالمسئولين وخرجن دون أن يحصلن على موافقة او دعم او حتى كلمة تشجيع ولكنهن بأحسن الأحوال قد احسسن انهن فرغن غضبهن واستيائهن وعبرن عن حقهن بالمشاركة والتفاعل،بعد الذي شاهدته ولمسته من تعامل الموظفين والمسئولين وجدت بإن العمل مع هذه العقلية المتخلفة كان يمثل ضيقا لها واحباطا ولا يبشر بخير وقد رأت تفكير الموظفين السطحي ونظرتهم الدونية للمرأة وتخلفهم ولكن الذي يرغمها على الصمود والتمسك بموقفها هو طموحها وعدم استيعابها للعيش بصورة أخرى غير كونها مهندسة في هذه المؤسسة ..!! إنه كيانها وحياتها وقدرها ولا تستطيع تغييره ، أما التقاليد والعادات فنحن نصنعها ولا يمكن ان نسمح لها بإعادة تكويننا وتشويه مبادئنا وقناعاتنا.لقد تعلمت ودرست وتملك من المؤهلات التي يملكها الموظف الرجل بل إن بإستطاعتها القول بثقة بعد أن رأت تفكير وتصرف البعض منهم الغوغائي المفتقد للذوق والتهذيب إن مستقبل المؤسسة بخطر إذا كان مصيرها بيد هؤلاء المسئولين ..!! إنها لم تربى على إنها قاصر ومحدودة التفكير ..بل درست نفس المناهج التي يدرسها الفتى وزادت عليها بثقافة عامة وروح منطلقة مفعمة بالثقة بالنفس والمبادئ والقيم فلا تستطيع هذه الكومة من الثياب البيضاء المتصلبة التفكير اثناءها عن تصميمها لمجرد إنها امرأة ..!! نعم إنها امرأة وتفتخر بكونها كذلك ولا يعيرها ويقلل من شأنها ذلك لأنها تنظر الى حجم تفكيرها ورجاحة عقلها وقوة ايمانها ومدى رغبتها بتغيير الأشياء حولها لتكون اكثر عطاءا ومنفعة لمجتمعها وبلدها،ومرت الأيام وحان موعد التخرج ومواجهة الأحلام والتطلعات واكتشاف ما كان منها مستندا على قناعة ومبدأ وما كان معلقا بشطحات الطلبة ومشاغباتهم ومحاولاتهم اثارةالإنتباه لا أكثر.حان الوقت لإكتشاف هل كانت كل الأنشطة الطلابية والمداخلات والعرائض مجرد اثبات وجود وطاقة فائضة أم إنها تستند على الكثير من الجدية وتقرير المصير ..؟؟ إنها موعد الإنسلاخ عن مرحلة التمرد والإ مبالاة وعدم التقيد بالقوانين والأدوار المرسومة.إن التخرج يعني الوظيفة والتحول الى جزء من القطيع والذوبان في اللوائح العتيقة والتحول الى رقم في سجلات الموظفين، وكان بالنسبة الى سارة مواجهة التحدي ايضا وفرض المصير.فلم تتخلى عن حلمها بالعمل في المؤسسة رغم التجاهل والصمت والرفض الذي قوبلت به من قبل وعلى الرغم من الخبرات السابقة التي منتها بالخيبة والتجاهل فقد قدمت اوراقها للمؤسسة دون أن تعير انتباهها للأهمال المتوقع لأوراقها وواجهت من جهة أخرى حربا صعبة في المنزل .!! فهي لم تستشر أحدا في خطوتها ولم تأخذ رأي اهلها في الموضوع ، ولم تردد منذ البداية في اختيار طريقها .. كانت تعرف هدفها وتتوجه اليه بتصميم ، ولا يهمها ما قد يقولون لإنه لن يغير من الواقع شيئا ولا يستطيع ، فهذا ضد طبيعة الأمور ، ويتنافى مع ما تؤمن به وما تعتنقه وما يعبر عنها ، انها تعيش وتتنفس وتتصرف داخل عالمها المحدد الواضح الرحب ولا يعني لها شيئا عالم الآخرين او وجهة نظرهم ..!!ولم يغرها كونها من اوائل الدفعة ومرشحة لتكون معيدة بالكلية فلم تتصورنفسها يوما بأن تكون استاذة جامعية أو مدرسة علوم في احدى المدارس كانت الصورة التي تأسرها في إطارها كمهندسة مختبر في احدى المعامل ، وتفوقها ليس للحصول على للأستاذية في الجامعة بل للتعمق والبروز بالتخصص نفسه ..!! كان والدها من الرجال العصاميين الذين يعيشون كأغلب اهل البلاد على الفطرة ، ولم تكن المظاهر والتزلف والتعقيدات الإجتماعية قد ظهرت بعد.كانوا ينظرون بحب ودهشة لبناتهم وقد تعلمن وبدأن يناقشن ويتعاطين الأمور التي كانت حكرا على الرجال.كان شعور والدها فخرا ممزوجا بإسقاط النظرة الأبوية الحانية العطوف على ابنته الصغيرة التي سيصبح لها كيان اقتصادي منفصل كأخيها والتي سيكون لها شخصيتها الأعتبارية كأول امرأة في عائلته تتخرج من الجامعة وتخرج للعمل ولا تتذكر ما هي ردة فعلة على كلامها لإنها لم تمنحه هذا الحق بل كانت تندفع بالكلام بحماس عند عودتها من الجامعة عن الأحداث التي صادفتها وتعلق عليها وتنتقدها دون أن تنتظر من الآخرين تعقيبا أو ملاحظة.لم تكن بحاجة الى رأي والدها في موضوع كان محسوما اصلا لديها من البداية،اما والدتها فقد كانت اكثر ارتباطا بكلام الناس ولغو النسوة واسقاطاتهن الخبيثة ..!! كانت لا تتقبل وجود ابنة لها تخرج للعمل في مجال مختلط مهما كانت محتشمة وخلوقة.ولا تريد ان تفهم معنى كينونة العمل في المنشأة الصناعية واختلاف ذلك عن العمل بستر وهدوء كمدرسة في احدى مدارس البنات ..!! ولم تكن تفهم كثيرا معنى ان تكون ابنتها معيدة في الجامعة حيث انها من الأوائل ومرشحة لتكون من الهيئة التدريسية القادمة وكان لديها ذلك اهون من العمل في مكان آخر على الأقل ستظل بالجامعة كموظفة بدلا من طالبة،اما اخوتها الثلاثة .. عبدالرحمن الأكبر فهو المتزوج الوحيد من الأبناء ومنشغل بأمور عمله وحياته العائلية ولم يعرهم اهتماما بهذا الموضوع.ومع إنه مقيم مع اول طفلين رزق معهما في بيت والده بإنتظار ان يتسلم بيته الشعبي الذي يستحقه كغيره من المواطنين الموظفين إلا إن روحه المرحة ونظرته للأمور من باب السخرية والإستخفاف جعلته يتناول الأمور من باب التندر والتهوين اكثر من التوتر والعصبية والحنق،أما غانم .. الأخ الأوسط فسرعان ما ترك الجامعة التي لم يكملها وانخرط في الجيش ولم يهتم كثيرا بأفكار اخته او موقف امه التحريضي ضدها على الأقل لديها شهادة جامعية بتقدير امتياز بتخصص علمي مرموق ..!! وكان ذا طبيعة مسالمة تميل الى الهدوء والعقلانية.وبينما حسن اصغر العنقود الذي كان يتمتع بطبيعة عدوانية تميل للعنف وتنقاد بسهوله لما يسمعه من الآخرين فقد كان الوحيد من العائلة الذي التحق ببعثة للدراسة بالخارج بجامعة القاهرة وكان يعتبر غائبا لعدم سهولة الإتصالات في تلك الفترة ولإنهماكة بحياتة الإجتماعية والدراسية الجديدة،اما شقيقتها الوحيدة وضحة التي تزوجت مبكرا وانجبت حتى ذلك الوقت اربعة من اطفالها حيث جاء نواف آخر العنقود بعدها بثلاث سنوات فقد كانت موزعة الجهد بين سارة ووالدتها فمن جهة كانت تؤيد الوالدة من حيث أهمية ان تكون اختها معيدة في الجامعة.حيث يكفل لها الوضع العلمي والإجتماعي والإقتصادي اللائق بدلا من الشحططة والبهدلة بالقطاع الصناعي ويا ريت عند إناس يعرفون قدرها بل من الآن يجاهرون بعدم سلامة وضعها لديهم ولا يتقبلون وجود النساء بينهم.ومن جهة اخرى كانت تحترم قناعات اختها كإنسانة لها حق تقرير المصير ولو كان ضد ما يراه الآخرون.وقد قادت حربا من نوع آخر مع زوجها الذي كان رافضا لفكرة عمل سارة في المؤسسة الصناعية لإنها ضد قناعته بعدم خروج بنات الإسر الى هكذا اماكن.كان ينقل قهره الى وضحة وهو يقول لها ماذا سيقولون الآن في المجالس عن شقيقتك ..؟؟ هل انتم مجانين ..؟؟ كيف يرضى والدك واخوك المغفل عبد الرحمن.. الا يحرك هذا شيئا في داخله ..؟؟ كان عبدالرحمن من اصدقاء احمد منذ صباهم فقد كانوا ابناء حي واحد وبسبب هذه الصداقة استطاع احمد ان يلمح وضحة التي كانت وقتها ما زالت في المدرسة ويعجب بها ويصمم على الزواج منها.وقد عانت وضحة الأمرين في مداراة خاطر زوجها ومحاولة عدم اثارة الموضوع او تطوراته امامه والسكوت عندما يأتي على ذكره والتغاضي عن عبارات التهكم والتشنيع التي كانت تختلط بكلماته الغاضبة لإنها تعلم بأنه يخاف على سمعة سارة ويعاملها كشقيقته الصغيرة ويشعر بأن أي كلام عليها سيمسه ولن يتوانى عن الشجار مع قائله،ولكن سارة لم يهمها كل ذلك .. فالأمر اشبه بزوبعة لمعركة لم تحدث بعد ..!! وقد ظلت المؤسسة على رفضها المتصلب للكفاءات النسائية الوطنية ..؟؟لكن هناك شيئا داخلها لا يراه غيرها يجعلها تشعر بالأطمئنان والأمان.شيئا حتى ولو ارادت التعبير عنه لا تستطيع الإدلاء به لإنها لا تملك الأدلة على حدوثه او صدقه .. إنه احساس داخلي جارف ، وهل يمكن ان يقدم الإحساس كدليل ملموس ..؟؟ انه انجذابها وتفاعلها مع شخصية الطان.واسلوبه الهادئ المسالم وربما الأبوي في تقبل اقتحامهم لإجتماع مجلس الإدارة.الم يساعدها لتقول كلمتها وقد الجمها بالفعل الأستقبال المستهجن والإستياء الذي علا وجوه الحاضرين وربما لولا إنه اسكت الغوغائيين بحركة بسيطة آمرة من يده، لما تسنى لأي من الطالبات شرح سبب حضورهن ولتم اخراجهن من الإجتماع وهن منكسات الرأس ومكسورات الخاطر ولقضى على حماسهن واندفاعهن ومساعيهن ذات التطلعات العالية،وبالإضافة الى إنه ترك لهن المساحة التي يطلبونها للتعبير عن انفسهن وتوصيل صوتهن فإن ردة فعله التي وصلتهن بعد ذلك من تعليقات الموظفين التي تم تناقلها لتصل الى احدى الطالبات التي رددها بفرح للبقية لقد اعتبر محاولتهن بإثبات الوجود موقف يستحق التفكير والإحترام،هل اصبحت تحب منقذها عرفانا بجميله واعجابا بشجاعته.كل الذي تعرفه انه بات بطلها منذ ذلك الوقت وتابعت اخباره في الصحف وتصريحاته في الإذاعة وقد عزمت ان تكون مساعده وجانبه الأمين الذي يرتكن عليه للنهوض بإمكانات المؤسسة،وعندما ادركت بأنه لا فائدة من عرض اوراقها على ادارة الشئون المالية والإدارية في المؤسسة لأنه ليس هناك اسهل من كلمة لا لتحسم المواضيع التي لا يتحمسون لها ، ولإنها تأنف ان تنزل من مستواها لتطلب من احد المسئولين بالإدارة بالأسم مساعدتها بعدما خبرت نفسياتهم المجردة من الإحساس بروح العمل والرغبة الفعلية بتطويره وتنميته.استخارت ربها وقدمت الطلب رأسا الى مكتب سلطان مع رسالة توضح فيها كل ما عانته في الجامعة والبيت لتعمل بالمؤسسة بالذات وإن حكمه سيكون النهاية بتحديد حياتها كلها ، والموضوع بيده بإمكانه ان يفتح طاقة جديدة وجريئة في مؤسسته لا تقبل الجامعيات فقط من النساء ولكن تهتم بعملية التغيير والبناء على اسس حديثة ومتطورة وطموحة أو أن يهمل الرسالة وتظل المؤسسة تتخبط في فوضاها بلا مبرر حكيم تقدمه للأجيال المتطلعة لتقديم الأفضل،وعندما سلمت الرسالة واوراقها الجامعية وشهاداتها المطلوبة للحصول على Question

      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء ديسمبر 12, 2017 2:26 pm