دعاش

ثقافى إجتماعى


    رواية البحيره الفصل الثالث

    شاطر
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 29
    نقاط : 88
    تاريخ التسجيل : 04/04/2010

    رواية البحيره الفصل الثالث

    مُساهمة  Admin في الإثنين أبريل 12, 2010 3:57 am

    (أحمد)

    منذ ثمانية عشر عاما تزوجت وضحة بأحمد. كانت في السادسة عشرة بينما كان في الثانية و العشرين وقتها. ويعتبر زواجهما قد تم عن حب نوعا ما رغم انهما لم يلتقيا يوما وجها لوجه، الا انه رآها عرضا وهي رأته عرضا وكلاهما ابناء حي واحد وكان صديق شقيقها عبدالرحمن.
    وكانت اسرتها قد انتقلت حديثا بجوار بيت احمد حيث كانت تقيم فيه والدته قبل موتها. كان والده متزوجا حينها بأخرى وقد اسكنها بيتا بحي آخر، ومهما كان ولاء والده لزوجته الجديدة الا ان تأثير بيته القديم ما زال موجودا وهو يحمل اسمه وصيته واحترامه في الحي العريق. ولم يكن وقتها هناك احتفاء بتعليم البنات لذلك لم تهتم الاسرة بتزويج وضحة قبل حصولها على الثانوية العامة عندما تقدم اليها جارهم احمد الموظف في احدى الوزارات الحكومية وقد درس حتى الثانوية هو الآخر قبل ان يتوظف،حاولت امه تزويجه من احدى قريباتها ولكنه لم يتشجع لهن. وكان دائم الانتقاد لمن كانت تعرض عليه حتى ذلك اليوم الذي اخبرها فيه بأنه يريد ابنة جيرانهم وضحة،حينها انتبهت الأم الى الصداقة التي بين احمد وشقيق وضحة الأكبر عبدالرحمن والى رفض احمد لقريباته،ولم تتردد وضحة هي الأخرى بالقبول ولم تتمسك بدراستها ولم تطلب تأجيل الزواج على الأقل عاما ونيف تنهي الثانوية فيها أو تقترب اكثر من هدف التخرج منها. لم تكن تعي اهمية الدراسة حتى عاصرت كفاح اختها وتمسكها بالتعليم وتكوين نفسها وتشكيل شخصيتها فتحس حينئذ بالغيرة ولكنها عندما تتذكر ابناءها تشعر بأنهم يعوضونها عن شهادات العالم.
    لم يكن زواجها من احمد يحمل بشائر السعادة والمرح. فقد بدأ يتحول شيئا فشيئا الى انسان عصبي المزاج. . وقد انشغلت بالحمل والولادة وتربية الأبناء بينما كانت تظهر الدوافع العدائية عليه شيئا فشيئا. اصبح يخفي عواطفه ومشاعره نحو اسرته بسرعة غضبه وتوتره وعصبيته المتناهية المشتعلة مع عدد سكائره التي يتعامل معها كأنها رحيق سام لا يقوى على التوقف عن ضخه في شرايينه.
    الكل يعلم مدى حبه لعائلته ولكن الكل يخاف مناقشته والحوار معه بدءا من زوجته ومرورا بأولاده وانتهاء بأهله، ربما لم يسمع بأسلوب المسامرة ومشاركة العائلة بعضها البعض على مائدة الطعام أوحول جهاز التلفزيون أو في رحلات استجمامية داخل المدينة وخارجها.
    كانت وضحة امرأة صابرة وصامتة بينما يزداد هو صمتا وقتامة وعصبية. .!! كانت تخزن مشاعرها بينما تحترق في الداخل :يالله من أين يأتي الصبر ليسقي العروق المتوترة ويحيل اشتعالها الى برودة وهدوء، كيف تستحيل الثورة الى بقايا الرماد وتذوي تحت حرقة النفس قهرها، يالله.. الا يمل من العصبية..؟؟ ان التدخين الشره والعصبية والنرفزة لأتفه سبب حاكت بينه وبين الآخرين حاجزا من الصعب تخطيه،لقد دفنت (الأنا ) لديها لتجعل اولويات عائلتها هي الأولى. . مزاج زوجها وتعليماته هي الأساس، وراحة اولادها وخدمتهم هي الهدف. علاقته بأبنائه فاترة ويسودها الخوف والرغبة في الابتعاد عن منطقة الجدل والغضب والتذمر القاتل. انهم يتحاشونه قدر الامكان ويلجأون للتحايل والضغط عليها لتنفيذ رغباتهم ويفضلون التخلي عن مطالبهم اذا كان الثمن مواجهته،وتحس بنفسها كالكرة التي يتقاذفها الطرفان، احيانا تشعر بأنها تخلت عن شخصيتها لصالح كل طرف منهما. .الزوج في كفة والأبناء بكفة أخرى..!!فهي تطيعه ولاتجادله بالقدر الكافي الذي يحررها قليلا ويخفف الضغط عليها، ويوقف زخم عصبيته وغلظته ولومه المتكرر لها على كل شيء يحدث في البيت، انه دورها في الاستحمال وامتصاص النقمة بعيدا عن الأولاد والخدم وربما الناس. .!! ليقوم الأولاد بدورهم من جهة أخرى بشحنها عاطفيا بمطالبهم التي لا يجرؤون على اخبار الأب بها مما يدفعها للاذعان لهم ومساعدتهم بالتكتم على نزواتهم الصغيرة التي يدركون ان علم الوالد بشأنها فسيصعد الموقف ويحمله اكثر مما يحتمل. اصبحت لهم حياتهم التي لا يشركونه بها وتمادى هو في انفصاله عنهم، ولم يعد يعرفهم ولا يدرك ما يدور في خلدهم،كانت مشكلته الاساسية غيرته المرضية من اخوته لأبيه. كان يغار منهم بشكل عجيب وينتظر ان يحبه والده ويقربه اليه بينما لا يزوره الا كالغريب مقطب الحاجبين صامتا بين الفينة والأخرى منتظرا ان يلاطفه والده الكبير في السن ويبعد اولاده الآخرين الذين يشاركونه السكن بالبيت مع والدتهم ويساعدونه في تجارته واعماله،لا يريد ان يفهم ان وضعهم مختلف. . فهم تربوا تحت يديه وبين رعايته وبوجود امهم التي ربطتهم به. ولان هناك عشرين عاما بينه وبين اكبر اخوته تجعل والده يعاملهم مهما كبروا بأنهم صغار يحتاجون رعايته وايضا رعاية شقيقهم الأكبر الذي لو كان ذكيا لتقرب من والده عن طريق أبنائه وعاملهم كأخوته وليس كأبناء زوجة الأب الذي سرقت والده،الشعور بالغيرة والحسد اعماه مع تزايد غنى والده الذي يتسع للجميع. لقد صور له حقده بأنهم يرفلون بالنعيم بينما يحرم منه وهو الابن الأكبر الذي ينادي والده الناس باسمه (ابو احمد)،كلما حاولت وضحة تشجيعه على كسر الجليد ومصادقة اخوانه. . صرخ بها انهم في سن اولادي. .ماذا اريد منهم. .؟؟ ما لي ولهم. .؟؟
    تحاول اقناعه ان اكبرهم في الثلاثين من عمره ومتزوج وله ابناء، ويستطيع أن يضيق الهوة بينهما حينما يجمعهما عامل مشترك وهو مساعدة والدهما في تجارته، وانه اذا كان يريد ان يشارك في اعمال والده عليه ان يصبح فردا من العائلة ويشعر والده باهتمامه ويبذل القليل من الجهد والنشاط كما أن عليه أن يصحب اولاده الى جدهم وألا يحرمهم من اهلهم واعمامهم.
    حينها.. كأنها تضغط على دمل متورم داخله.. يصرخ بها وينهرها لا تتدخلي فيما لايعنيك
    ولم تكن تخبره عن ما تردده زوجة ابيه عندما تكون بزيارتهم من فترة طويلة لأخرى اطول، ان احمد لا يسأل عن والده ولا يبدي احتراما له وانه لم يكن موجودا بجواره في هذه المناسبة أوتلك، وكانت وضحة تتجاهل الحديث ولا تريد ان تزيد اوار النار وتفسد زيارة المجاملة بلغط لا فائدة منه سوى تكريس الضغينة والحقد،وعندما اراد ان يبني بيته الجديد. .ذهب الى والده يطلب قرضا كبيرا لديه فما كان من والده بعد صمت قصير الا ان منحه كهدية مبلغاً من المال بينما منح مثله ابناءه الثلاثة الآخرين وبناته الأربع،وزاد قهر احمد ليس لانه لم يمنحه المبلغ المطلوب الذي يحتاجه كاملا ولو كقرض ولكنه اعطى اولاده الآخرين ايضا. .ردد بحقد. .لم يمنحني الا ليعطيهم، ومن يدري ربما اعطاهم اكثر. .وتابع. . الا يكفي انهم يعيشون مع اولادهم في بيته يصرف عليهم ويعيلهم ويوظف لهم الخدم ويسفرهم و.. و..و
    كانت تنفر من حديثه الحاقد وتشعر انه يأخذ معه بركة بيتهم لديهم ما يكفيهم وقد ورث من امه البيت الكبير الذي كانوا يعيشون فيه معها قبل وفاتها. وكان والده الذي كتبه لها عندما تزوج عليها كترضية كريما، فلم يشاركه فيه رغم انه كان وريثا معه ومع شقيقتيه اللتين باعتا له نصيبهما فيه بثمن مناسب، على اعتبار انه كان يقيم فيه مع زوجته واطفاله قبل ان ينال بيته الجديد من اسكان كبار الموظفين، وقد قام بتأجيره لشركة خدمات كبيرة ويدر عليه إيجاراً جيدا. كما ان لديه معاشه التقاعدي ونهاية الخدمة التي اشترى بها عقارا آخر للايجار مما مكنه من شراء المزرعة التي يلتاذ بها وتزويدها بالحيوانات الأليفة وزراعة النخيل والأشجار والخضراوات المتنوعة.
    على الرغم من انها لم تعمل يوما الا انهم يعيشون ميسوري الحال ولكن مقارنته الدائمة لأشقائه كانت تقتله حيث ان هناك فرقا واسعا بينه وبينهم ومظاهر ثراء والده تبدو واضحة عليهم حتى لا يصدق احد انهم اشقاء. .!!
    كانت تذكره بفارق العمر بينهم و بينه ومسئولية والده نحوهم ويصرخ بها. .عندما كنت في عمرهم واصغر منهم لم يدللني ولم يكن بهذه الرقة والعطف، وعندما كنت في عمر اصغرهم كنت متزوجا في بيت امي، وكنت مريضا على حافة الموت ولم يبد القلق والأهتمام والرعاية التي اشاهدها اليوم تصدر منه لغيري.. بل كأن شيئا لم يكن. كنت اكافح في عملي شأن اي انسان آخر وما زلت ابني نفسي بنفسي من دونه،ولكن. . لا فائدة من تخفيف المرارة والقتامة التي يستشعرهما التي ترسخت عندما تعاند مع رئيسه في العمل واستفحل الخلاف لدرجة خروجه من العمل وتحويله للتقاعد المبكر مما كسر ثقته بنفسه وحطم معنوياته اكثر فأكثر. ولم يكن يدرك بأنه بتركيزه على ذاته وعلى شعوره بالظلم قد اساء لنفسه كثيرا وجردها من حيويتها وامكاناتها، واقفل الأبواب في وجهه لاكتشاف الوجه الايجابي للحياة، وتحول الى نموذج سيىء لأبنائه فهو يدخن امامهم، ويهرب من المسئولية ويختفي عند الحاجة، شيئا فشيئا اختار احمد عادة الانزواء ومفارقة الناس والهروب بالسفر خارج البلاد في اوقات غير مناسبة لاسرته. فعلى الرغم من ادراكه من تفاقم المشكلة مع ابنه خالد ووصولها الى مستوى متوتر يحس بايقاعه كل افراد المنزل الا انه فاجأ وضحة بأنه يعتزم المغادرة الى جنوب آسيا لفحص معدته والاستجمام وتركها مع نظرة مذهولة وعقل مشوش والم حائر.

    السابع
    (المراهق)
    انه في السادسة عشرة من عمره في بداية المرحلة الثانوية ويكاد يقتلها وهي تحاصره ليدرس وهو يناوشها ويحاول اقناعها بعدم جدوى التعليم وما فائدة الدراسة وما تأثيرهما في حياته. .؟ ماذا سيستفيد منهما وكيف سيؤثران على أدائه للعمل بينما لا يريد سوى عمل بسيط. لا يهتم بدخول الامتحانات آخر العام ولايستعد لها،كانت وضحة تعيش في ذهول ولا تكاد تتواصل مع من حولها وهي تحاول حماية ابنها وشده من افكاره الجنونية الى العالم الواقعي لبقية خلق الله.
    تصرفاته اللامستقرة وشخصيته المضطربة كأنها تحسه يتعذب من مشاعر واحاسيس متضاربة توجهه الى دروب مجهولة ومطموسة بالضباب لا يعرف ما يريد ولا يعرف ابعاد الصواب من الخطأ. كانت افكاره متقلبة فكل يوم يأتيها بفكرة جديدة عن مستقبله وكلها تدور في فلك التسرب عن الدراسة. تناقشه ويفحمها بردود مقنعة وكأن داخله يفهم ولا يفهم.. يعرف ولا يعرف وكأنها مستلبة معه ومسجونة داخل كرة ضبابية تفصلها عن رؤية الحياة الواقعية، وتحس بنفسها عاجزة عن كسر هذا الخمول والبلادة ودفع نفسها وابنها من براثن الضياع، انهما يدوران في حلقة مفرغة لا يكاد احد يحس بها ولا يدرك مدى ظلمتها. لا الأب الواقع تحت تأثير وحدته و عزلته و احساسه المتعاظم بالذات، ولا اسرتها المشغول افرادها بحياتهم الخاصة، ولا اسرة زوجها التي لا تكاد تعرفهم انسانيا ولا يربطها بهم سوى المناسبات والمجاملات،في الحياة اشياء تحدث وتخدش حياة الانسان ومصيره ولكنه لا يستطيع البوح عنها وكشفها للاخرين. فوضحة مهما تأزمت من تشتت ابنها وضياعه ومهما عصفت بها العواصف وعزلتها عن الآخرين لا تستطيع ان تصارح والديها ولا اختها واخوانها الثلاثة. هل لانها تشفق عليهم وقد اوهن السكر صحة والدها لدرجة اصابته تقريبا بالعمى، وهي لا يمكن ان تقوم بفتح ملف ابنها لدى زوجة جده، فمهما كان سيكون مضغة في افواه النساء بدون جدوى من ذلك...!!كان حال ابنها غصة في جوفها .!!
    كان ذكيا ومع ذلك كره الدراسة.. كان محبوبا ومع ذلك تخبطت به الدروب. .. وتكاد تشعر بأنه فاقد الثقة بنفسه وقدراته، غير مستقر ومتوازن في بيئته، لا يدرك ماذا يريد. كم تمزقت وتعذبت وهي تحاول لم أشلائه وتجعله يفيق قبل ان تنسحب منه خيوط الدراسة والمستقبل.. بح صوتها وهي تنصحه وتبحث عمن ينصحها. . ولاتدري هل كان يتعمد تصرفاته ليربطها به ويشغلها بمتابعته والأهتمام بشأنه، هل خيباته المتتالية ليشغلها عليه ويملأ حياتها بالرعب في محيطه.
    عندما اخذ يدخن في الثالثة عشرة.. انعصرت اعماقها وأحست كأن يدا قوية تعصر قلبها، ولم تنم وهي تتخيل رئتيه وقد امتلأنا بالدخان والهباب الأسود. . وتحترق وهي تتذكر ما صارعت في طفولته لحمايته مما يدخله في دائرة المرض وما يحفظه معافى وصحيح البدن، والآن يلوث رئتيه البكر بالسموم وهو ما زال يانعا، ولا تدري لم اخفت عن والده حقيقة تدخينه. . كما كانت تتستر عليه كلما اخبرها السائق مرتاعا بأنه يجبره على منحه مفتاح السيارة عندما يوصله لمشاويره ويخرجه منها ليسوقها بنفسه ويستعرض بها مع اصدقائه..!!إلا أنها خافت عليه من غضب الأب العصبي. . لماذا لم تدرك ان الغضب والعقاب في هذه الحالة علاجا فعالا لدرء المشاكل. .؟؟ لم ارادت ان تحميه من والده وهو ارحم وأرأف من هذه السموم التي يدخنها..؟؟ وهو بالتأكيد اشد حزما منها ليشد أزر السائق ويمنحه الأمان والقدرة على رفض مطالبته بمفاتيح السيارة. لم توقفت فقط عند الخوف من الصراخ والشتائم وربما الضرب والحرمان ولم كعادتها تخيلت اسوأ الأمور وصدقتها وارتعبت منها وبدون ان تدرك خطورة أن تقف بين الوالد وابنه. .؟؟
    اليست هذه جريمة عليها التفكير بها بتمعن.. وعليها محاسبة نفسها عليها. ؟
    يا الهي. ..لا تعرف كيف تتصرف. ؟؟. اغدقت عليه الدلال المريض والحماية القاتلة واضاعته.
    أم انها كانت تخاف من تأنيب والده ولومها الدائم على كل شيء يفعله هذا الولد، ابنك فعل، قولي لابنك كذا، انت السبب، لم تركته يقوم بذلك، و..وانه لا يحاول ابدا التفاهم مع ابنه وارشاده وتوجيهه وحل مشاكله ومشاركته اموره والتكلم معه واحتوائه، انه فقط يحملها المسئولية و يستنكر و يشجب و يغضب، و يعتقد بأن هذا دوره و على الأم ان تحل كل الأمور و تتحمل نتائجها. .!! و لم تقل له يوما و أنت اين دورك. .؟؟ بل لقد اقنعها بأنه واجبها و عليها معالجة الأمور، فتشعر بالخطأ و الفشل و تنكمش مكانها ويتملكها الخوف وتقوم بابعاد المشاكل عن مسامع الوالد. . ولكن هل اخفاء البقايا تحت السجادة قادر على ابعاد ريحتها المتعفنة بعد زمن قصر أوطال. .؟؟؟
    من قال اننا نفهم انفسنا. .؟؟
    هل يوجد من يعترف بأنه على خطأ في نقاش ما.. المضحك اننا نحاسب الآخرين بكل سهوله وندينهم ببساطة. . ونستطيع اطلاق الأحكام. . ونعلق بيقينية في حواراتنا عن خطأ الآخربن وبأنهم مغفلون وجاهلون وعليهم التصرف كذا وكذا . .وننسى اننا جزء من هؤلاء الآخرين وان آراءنا وسلوكياتنا تعامل بنفس المصير لديهم،يجلس كل منا منفوش الصدر وهو ينتقد ويدين الغير بكل اقتدار وثقة. . ولا نفكر لحظة بما يدور في ذهن الآخر. . وأيضا لا نضع أنفسنا في ظروفه ولو كنا اذكياء حقا لأدركنا. . اننا نكرر بدون وعي ما نعتبره اخطاء الغير ونجد لها الأسماء الحسنة والتبريرات المقنعة لأنها صادرة منا.!!وعندما استنزفت اعصابها بالكامل استسلمت وقالت انه بيد ربه وتحت رحمته. . يعلم ما به. . وفي اللحظة التي يريد الله له الانعتاق من هذه الضبابية والضياع ورحلة التيه، سيرشده، وسيجعل اسبابه لكي تزول هذه الغيمة،ولكن رحلة الطيش والخوف والهلع استمرت بينما يكبر الأبناء الآخرون ويزداد الزوج عصبية وانطواء،هل يعوض نجاح الأبناء الآخرين الأم عن فشل احد أبنائها .. للأسف لا. . انها تنتشي لنجاحهم، ولكن هناك مرارة تظل عالقة في فمها وخيبة الأمل والحزن يسكنها ولا تتذوق الفرح كاملا،لقد كانت وضحة مدينة لفاطمة ومحمد وريم ونواف ببعض الفرحة والبهجة التي تتناسب مع تطور شخصياتهم وتماسكها ونجاحها وهم يريدونها معهم بروحها وليس بجسدها المفجوع، ونفسيتها الكئيبة لتشاركهم احتفالهم بالحياة وتساعدهم على تخطي متاعبها،كانوا يشعرون بوجود شبح الأخ الأكبر يهيمن على بيتهم ويسلبه البهجة والأمان، كانوا يغارون منه بينما يخاطبهم قلب وضحة معاتبا. .تغارون منه وهو تعب يتخبط في ضياعه سادرا في بوهيميته.. ادفع حياتي ليفيق ويعي واقعه ويتصرف بمسئولية وعقلانية، كانت لتهب حياتها كلها فقط لاستعادتة رشده،مع كل بريك لسيارة أوصوت سيارة شرطة أواسعاف ينتفض قلبها بين ضلوعها وترقب زوجها وهو يلتهم سجائره بعصبية ونهم،أرادوا التخلص من القلق والخوف والرعب. . من الكآبة التي تلف منزلهم وتخنق فرحتهم بضحكات اطفالهم الآخرين. ارادوا الهرب الى واقع آخر ينعتقون فيه من الترقب والعذاب. لقد ملت الشعور بعدم الاستقرار وتوقع حادث ما. بقدر ما كانت تريد نهاية لما هي فيه كانت ترتجف من كنه هذه النهاية.

    الثامن
    الحيرة

    عندما رحلت الأم اخذت معها روح البيت وايضا اورثت سارة الاهتمام بشؤونه. فوالدها يحتاج بنفسه الى رعاية واهتمام وان كان من النوع المعتمد على نفسه، والذي يأبى رغم عماه ان يتكفل الآخرون بشؤونه الخاصة. ولكن البيت مسئولية كبيرة كانت معفاة منها بحضور الوالدة التي كانت تكلف ابناءها بعمل التصليحات اللازمة، وتقوم بتزويد البيت بالمؤن وتدبر امور الخادمة والسائق،لم تعد سارة مجرد نزيلة في هذا المنزل الواسع الذي كان يضم الأبناء جميعا قبل انتقالهم، والذي شهد زواجهم ابتداء من وضحة وحتى حسن، وعرف فرحة قدوم الأحفاد وتلقى التهاني فيه، وكان المقر لاجتماع العائلة جميعا دون غياب احد في الأعياد، لقد اصبحت الآن ربته والقيمة عليه والمراقبة لشئونه،كانت جلسة العصر قبيل المغرب بعد استيقاظها من قيلولة قصيرة تسترد بها حيويتها بعد عناء يوم شاق من العمل، هو بداية اشرافها على المنزل، حيث تنزل الى الطابق السفلي حيث الصالة الكبيرة لتجد والدها جالسا مكانه الأثير وبجواره الراديو وهو ينصت الى التعليقات والأخبار من اذاعة لندن، اذاعته المفضلة التي تذكر انها عندما وعت لشخصية والدها اكثر ما تتذكره متابعا للاذاعة منصتا لها كأنه يعيش حياته من خلالها. كان يعلق في السياسة ويتناقش مع أبنائه ويتعصب لرأيه، وكان شخصية غير تقليدية يؤيد التغيير، وضرورة احداث الفروق مهما يستدعي ذلك من ثمن فادح احيانا. كانت تسلم عليه للمرة الثانية في اليوم حيث تراه وتشرب الشاي معه صباحا قبل خروجها من المنزل الى العمل، واللقاء الثاني لتناول شاي العصر ولتصب له القهوة مع بعض البسكوت الخفيف او بقايا كيكة خالية الدسم كانت وضحة قد اعدتها في يوم سابق، او بعض الفاكهة التي تقشرها له سارة وتقطعها وتناولها اياه بانتظار قدوم وضحة ان لم تكن قد وصلت بعد، اومرور عبدالرحمن وأحد اطفاله فمنزل عبدالرحمن ملاصق لهما وابناؤه لا يشعرون بأن هناك فرقا بين المنزلين، بينما تباعدت زيارات غانم وحسن شيئا فشيئا لبعد مناطقهم السكنية من جهة، ولارتباطهم بأسرهم وذويهم أكثر من ارتباطهم بعائلتهم الأصلية واخواتهم من جهة اخرى،كانت سارة في المطبخ تستعد لأخذ القهوة لأبيها كعادتها عصر كل يوم بعد عودته من المسجد برفقة السائق حيث يتوسد مكانه المفضل في صالة المنزل ، يسمع الأخبار من الراديو والتعليقات و التحليلات بانتظار توافد الأبناء حسب ظروفهم وقد كانت وضحة اول الوافدين وقد دخلت المطبخ وهي متهللة : صحيح ان الأفراح اذا جاءت اتت تباعا. اشرق وجه سارة وقد توقعت ان يكون خبرا يخص الرجلين المتمردين في حياة وضحة زوجها وابنها،احمد اوخالد ولكن وضحة قالت بحب وفرحة. . بل لك انت. . لقد خطبت يا سارة ،قالت سارة بنوع من الانقباض : لم اعلم بأنني ميئوس مني لهذه الدرجة. كأنها معجزة. .!!تراجعت وضحة قليلا وقالت دون أن تنخفض حرارة صوتها : ولكن لأن هذه المرة لن تقولي لا. انه يريدك موظفة في هذه الوزارة ويعرف ايضا بخبر ترقيتك ويشجع النساء مثلك و..
    ومن أين جاء هذا الانسان المتفتح وكيف جادت به السماء فجأة. .؟؟
    يبدو انه سمع عنك في العمل وسأل عنك وهكذا وصل الى احمد تمهيدا للمجيء الى الوالد.
    ومن هو. .؟؟
    اسمه سالم وهو مهندس مثلك بل من الخريجين الأوائل حيث درس في بريطانيا وعمل سنوات في الحكومة ثم اسس له عمله الخاص ولم يسبق له الزواج.
    تركت سارة ما بيدها وقالت باضطراب : ولماذا تعتقدين انه مناسب جدا لدرجة انك تكادين الطيران من الفرح.
    قالت وضحة بثقة : مهندس مثلك، ويرضى بعملك بل انه أثنى عليك ويشجعك، وابن ناس، ولم يسبق له الزواج، وغني وماذا تريدين اكثر. .؟؟؟
    لا ادري. . لم اعرف ان الزواج مجرد عملية حسابية. . مواصفات معينة اذا توافرت نجحت الحياة الزوجية،جلست وضحة الى جوار سارة وقالت بحنان : اذا اراد الناس ضمان السعادة الزوجية مئة بالمئة فلن يتزوج احد. .!! اسمعي مني. . ربما تعرفين عن احمد انه عصبي وضيق الخلق، وربما نكدي وطالما كسر كلامي امام الأولاد أونعتني بالغباء في حضورهم، ومعروف ان ابناءه يتحاشونه، ولا يستطيعون مجادلته، ولايمكن مناقشته اوالتفاهم معه. ولكن مع ذلك اعرف انه لم يكن كذلك عندما تزوجنا، وان الاحباطات والمرض الذي اصابه في حياته، حولته الى هذا الانسان العصبي. ان العشرة والعمر الطويل والذكريات المشتركة لا تعوضني عنه، ولا اتمنى فراقه. هكذا الحياة الزوجية.. مشاركة وعشرة،قالت سارة بتردد : لا ادري يا وضحة. .لقد فأجأتيني تماما بهذا الموضوع. اريد فترة لأستوعبه ولأعرف اكثر عن هذا الانسان،تتزوج. .؟؟ اذن لن يكون لها مستقبل مع سلطان ابدا. ولن تفكر فيه بعدها مطلقا وستكون النهاية بينهما. لامت نفسها بألم، وهل هناك بداية اصلا حتى تعتقد بأنها ستحكم بالنهاية على علاقة لم توجد اصلا. ولم تفكر بطريقة غريبة وخيالية وتبني توقعات من لا شيء، بل اوهام تخيم على عقلها الحالم. شكت في نفسها. . هل هذا طبيعي. ؟؟ كيف تسمح للخيال ان يسيطر عليها، يجب ان تنزل الى الواقع. ان تكون ناضجة عاطفيا وتتصرف مثل بقية الفتيات.. انها في السادسة والعشرين، وعليها أن تقلق لتكون اما قبل أن تضيع سنوات عمرها، وتتحول الى عانس بحق وحقيق.
    عادت من جديد تفكر : تصبح اما، والن يهدد ذلك جهدها في العمل. هل ستتحول مثل صديقتها الجوهرة التي جاءت للعمل في المؤسسة من سنتين ثم اخذت اجازات متقطعة بسبب الحمل والولادة والآن تأتي الدوام متأخرة لأنها اخذت الطفل للتطعيم والمعاينة، وتذهب مبكرة بدعوى الرضاعة، وتغيب اياما بسبب مرض الطفل المتكرر وبكائه وسهر الليل معه.
    عليها أن تختار بين العمل أو الزواج والأمومة.. وأصابها الهلع بالفعل وعلاها الوجوم. فما زالت في بداية الدرب ويملأها الحماس لقيادة خطط التغيير في المؤسسة، واثبات وجودها على الأقل امام نفسها واذا عطلها شيء آخر أواذا أثر في نشاطها فلن ترضى عن نفسها، وستحس بأنها فرطت بجزء قيم من عمرها،وعندما حضر شقيقها عبدالرحمن مع زوجته وطفليه لرؤية والده كعادتهم لاحظ ذهولها. وعلق ضاحكا بروحه المرحة :اذا كانت الترقية ستصيبك بصدمة فبلاها احسن، أم انك لا تريدين ان تقيمي حفلة بهذه المناسبة.،نريد كيكة بالايسكريم. .عمة سارة كان اطفال عبدالرحمن يرددون منتظرين استجابتها الجادة لمطلبهم،والتقطت وضحة الخيط وقالت لهم بأمومة متدفقة. تستاهلون وتستاهل سارة اكثر. الآن ابعث السائق يحضر لكم الكيكة بالأيسكريم ولايهمكم،لم تترك وضحة سارة لتفكر طويلا وهي تعلم بأن اختها ان تركت الموضوع يطول ربما تتغاضى عنه وفي نفس الوقت كانت قلقة عليها، فهي كوالدتها لا ترى ضمانا في العمل بقدر الأبناء. لو خيروها بين أكبر وظيفة وبين أبنائها فستختارهم بكل طواعية. ما يقلقها اكثر أن الفتاة ليست كالرجل يستطيع الزواج بأي عمر بسهولة فهناك عمر محدد للبنت ان فات ضاعت فرصتها للزواج، وحتى من يتقدمون لها الآن وتردهم وجلهم الكبار في السن والمطلقين سيرفضونها بعد ذلك وسيتقدمون للأصغر منها. .!! لذلك عادت في اليوم التالي مصطحبة اطفالها الذين تعشقهم سارة، وخصوصا الصغيرين نواف وريم واعوامهما الثانية والرابعة، وبعد أن لعبا معها ومع جديهما واسكرت الجميع خفة دمهما وشقاوتهما المنقطعة النظير كانت سارة تفكر اثناءها. . كيف يخطف هذان العفريتان قلبها وكيف تحبهما بل واطفال وضحة الآخرين بشكل مختلف عن ابناء اخوتها الآخرين رغم لطافتهم وكلامهم الجميل، هل لانهم ابناء شقيقتها واولئك ابناء اشقائها، وهل هناك اختلاف بين ابناء الأخ والأخت. . أم أنهم يتميزون بشكل مختلف عن غيرهم.. بروح لا يمكن انكارها، بتكوين الهي يخلب اللب. . أم ترى أن العناية الإلهية انزلت هذا التعلق في قلب سارة بهؤلاء الأبناء بالذات لحكمة مستقبليه ستظهر بعد ذلك في علم الغيب لتهبهم التعويض اللازم..؟؟عندما حضر عبدالرحمن وابناؤه كعادتهم ولكن هذه المرة تركهم ليدخلوا مع الخادمة، حيث اكتفى بالسلام على والده على عجل لانشغاله ببعض الأعمال الملحة بالخارج، حينئذ تركت وضحة ابناءها مع جدهم، واوصت خادمة عبدالرحمن بمراقبتهم مع ابناء خالهم، واشارت لسارة بأنها تريد الحديث معها،وعندما انفردت بأختها كانت وضحة لا ترغب في سماع اي تبرير وغير مستعدة له. وكان وجهها صارما ذكر سارة بوجه والدتها عندما تحنق عليها ويصيبها القهر منها وهي ترفض من يتقدم اليها، فقالت وهي تسبقها قبل أن تبدأ محاضرتها :هل سأتزوج مواصفات. . اليس لهذا الانسان شكل. .؟؟ وهو فقط سيتزوج معلومات، هناك اسمه كيمياء بين الناس قد تتنافر ارواح وقد تتجاذب، كيف اعلم انه ليس نقيضي الروحي.
    هزت وضحة رأسها وقالت: اللهم طولك يا روح. . كل هذه الزيجات تتم بهذه الطريقة. ليس هناك ارواح ولا غيرها،قالت سارة بعصبية: في عملى معي في القسم رجال ومدرائي رجال والعاملين معي في الأقسام الأخرى رجال والذين نتعامل معهم في الوزارة رجال.. هؤلاء مسموح ان اقيمهم واعرف نفسياتهم بحسب ما اتعامل معهم. وهناك الذي لا اطيقه مثل رئيسى السابق وهناك الذي احترمه ولو اختلفت معه مثل رئيسي الثاني الذي انتقل، وهناك من اتحاشى التعامل معهم، ولولا ذرة من ادب لما بادلتهم السلام، وهناك المراجعون في امور تخصهم مع الوزارة. .ثم تريدين مني ان اتزوج واعيش طيلة حياتي مع انسان لم اره، ولم اكلمه البتة ولا تعرفينه انت، ولم يسمع به زوجك الا من احد معارفه، ثم تسألين بكل بساطة لما انت مترددة وصعبة، وكيف ترفضين هذه الفرصة، والأحرى أن تسميها القرعة فقد تخيب وقد تصيب. ولعلمك لست من النوع الذي يترك حياته للمقادير والاكتفاء بترديد.. كنا نظن انه جيد وحسبناه ابن حلال. . ولم نعلم انه كذا وكذا. . يجب أن يعي الجميع بأنني ارتكن فقط للتخطيط والتفكير قبل اتخاذ قرار مصيري كهذا. قالت وضحة باستسلام : ماذا تريدين. .؟؟ ماهي مطالبك. .؟؟
    اريد ان اعرف على اي اساس اختارني..؟؟هل اخبره احد عني. .؟؟ أم انه رآني وارتاح لشخصيتي. عما يبحث.. هل عن زوجة تقليدية لديها استعداد لترك عملها او تغييره اذا تعارض ذلك مع قيمه. .؟؟ اعتقد انني مختلفة ومرتاحة مع عملي ولا أريد من يخطط لحياتي بالنيابة عني، ولا اريد سوء تفاهم مع احد،غامت عينا وضحة ووقعت بالحيرة. انه شعور ليس جديدا عليها. فطالما ارهقها التفكير بحال ابنها وكيفية التصرف معه وما هو الأفضل له. اسلوب القسوة أم اللين. الحرمان والطرد من المنزل ليعلم حال الدنيا ويفيق على الواقع، وقد ارهقت وهي تكرر اسطوانة مشروخة كرهت تردادها، اذ تحاول اقناعه بعدم ضياع الفرصة من امامه وتضييع مستقبله. انه مثل شقيقتها يناقش ويتكبر على اهم قرار يتحكم بحياته، ويحاصرها بأسئلة ومواضيع تدخلها في متاهات، ولا تسمح لها بالحكم بوضوح ، وقد حاصرها عناد وتصلب من تحب :
    لا ادري ماذا نفعل. . وافقي انت وحينها سترينه ويراك، واذا لم يرض احدكما الآخر ذهب كل منكما في سبيله،قبل ان اوافق اريد ان اراه فان ذلك سيطمئنني أو سأقطع الطريق من اوله، ولن اجعلها كبيرة لدى الناس. فمجرد قبوله سينتشر الخبر وحينئذ سيتدخلون في العلاقة، لماذا انفضت الخطبة. .ماذا حدث. .؟؟ هل تركها. .ولماذا ؟؟ هل سمعت عنه شيئا . .؟؟ ان الناس لا يرحمون ولا يجعلون مصائبهم ابدا عظة لهم. يا سبحان الله..!! لم تستطع وضحة الاعتماد على احمد ولا حتى مناقشته بالموضوع. لقد اصبح نكدي بمعنى الكلمة، لا يحاول ان يساعد من جهة ولا يترك الآخرين اذا استشاروه يتصرفون،وعلى الرغم من أن الذي كلمه بخصوص سالم احد معارفه القدماء، الا ان وضحة فكرت في الاستعانة بمساعدة شقيقها عبدالرحمن للسؤال عن سالم اذا استطاع من مصادره،ولم يكن صعبا على عبدالرحمن تجميع معلومات عن سالم. فعبدالرحمن شخصية اجتماعية منفتحة ونشطة تستمد وجودها من قدرتها على الاتصال والتواصل مع الناس. فهو يتجدد وينمو من خلال العلاقات الانسانية. فلديه دائرة علاقاته الشخصية التي تتسع يوما عن يوم، وترتكز عليها اعماله الخاصة. فقد بدأ كموظف حكومي في وزارة الكهرباء والماء واصبح الآن بالاضافة الى وظيفته يدير مكتبا للعقارات على الرغم من صغره الا انه يتمتع بنشاط ملحوظ وحركة مستمرة وسمعة طيبة في السوق. ويساعده في اداء مهمته ملكاته الطبيعية التي وهبته لسانا طلقا وروحه مرحة. لذلك فقد فاجأ وضحة التي كلفته بالمهمة بتليفون صباحي بعد يومين فقط من حديثهما ايقظها من النوم الذي تعاوده بعد ذهاب الأولاد الى المدرسة :
    اسمعي يا طويلة العمر. الكل يراهن على مستقبله. بدأ من الصفر والآن دخل في مشاريع كبيرة. رياضي ولديه اشتراك في الشيراتون و..لم تدعه وضحة يكمل وقد التقطت طرف الخيط كأنها وجدت ما كانت تبحث عنه فقاطعته بأمل،هذا هو الذي نبحث عنه.. ما دام انها تريد ان تراه دون ان يعرف ذلك لتحكم عليه بشكل مبدئي يؤدي لتقدمه اليها، فليس هناك افضل من رؤيته في النادي حيث سنذهب كلنا بحجة أخذ الأولاد للسباحة، وهناك تستطيع رؤيته ولا تملك حجة بعد ذلك.وهل يجب أن تراه شخصيا اذا كان على شكله. .لنحضر لها صورته وينتهي الأمر. لا تقتنع بالصورة لانها منمقة ولا تعطي الحقيقة وتكذب كثيرا، وهي تريد استشفاف شخصيته، وتصرفاته، ولا تريد بنفس الوقت أن يطول الموضوع ويتحول لخطبة حقيقية قد لا يكتب لها النجاح. .فقط بصمت ستحكم عليه من بعيد، اذا صادف القبول وإن شاء الله سنحرص على ذلك قربناه، وضغطنا عليها بحيث لاندع لها مبرراً للتردد.
    على كل لدى حسن اشتراك في النادي لذلك سيكون سهلا دخولنا. . ولكن كيف نعرف مواعيد العريس الملاحق،هذه مهمتك انت. . اذهب مع شقيقك لممارسة الرياضة، واسأل هناك بأسلوبك الودود الجرسونات وستعرف ما تبحث عنه،اشرايكم آخذ كورسات في الجاسوسية ايضا. .! يا اختي العزيزة. .الرجل تتمناه كل البنات. غني ومبسوط وينتظره مستقبل لامع افضل منا جميعا.
    ولكنها اختك العنيدة. . وعلى فكرة لا تقل لها بدأ من الصفر. ستقول. .من اين له هذا. .؟؟ وكيف جاءت امواله. يكفي ان نقول لها انه عصامي بنى نفسه بنفسه وكان محظوظا.

    التاسع
    الخطوبة

    لم يتقبل حسن ذهاب شقيقتيه الى نادي الشيرتون بارتياح، كان ممتعضا ومكفهر الوجه وغير راضٍ ولكن كونه الشقيق الأصغر في حضرة الكبار، ولان والده ما زال على قيد الحياة، وقد انشأ بناته على تربية يراها ويرضى عنها، ولا يستطيع أحد من الأبناء التدخل في شئون البنات بوجوده، وقد عودهم على ذلك من صغرهم. وعلى الرغم من أن حسن كان الفرع المتعصب في العائلة ليس تدينا بقدر ما كان انقيادا للعادات والتقاليد على الرغم من أنه الوحيد الجامعي من اخوته، والذي درس بالخارج، وعاش الحياة الجامعية المختلطة بل انه تزوج ابنة عمه بعد قصة حب معروفة، ولكنه كان متزمتا غيورا يتشاجر مع سارة، وقد كانت الأكبر منه، حول اسلوب ارتدائها الحجاب حيث انه يريدها الالتزام بالنقاب مسايرة للآخرين، وقد شاهد النقاب يغزو المجتمع بحيث ارتدته حتى الأمهات. ولكنه لم يستطع فرضه عليها رغم وقوف والدته معه ولكنهما لم ينجحا بسبب عدم رضى والده برغبة ابنه الصغير بالسيطرة والتحكم. في هذه المرة لم يستطع حسن الرفض لان عبدالرحمن الأخ الأكبر هو من طلب منه ذلك، فحاول أن يكون موجودا بالشكل في هذا الموقف، وتركهم يفعلون ما يرغبون دون أن يشجعهم أويساعدهم. كانت يد الجميع على قلوبهم عندما كانوا جالسين عند بركة السباحة عبدالرحمن وحسن وشقيقتاهما اللاتي دارتا وجوههما وكان ذلك امر طبيعي لدى وضحة التي تربت منذ صباها على عدم الخروج من المنزل الا وقد غطت وجهها، وتعتبر هذه هي المرة الأولى التي تدخل بها مطعما أو ناديا حيث ان زوجها اعتزل الحياة العامة مبكرا، ولم تتعود على الذهاب مع اخوتها الى الأماكن العامة على قلتها ذلك الوقت. أما سارة فلم تتعود في حياتها على تغطية وجهها وكانت ترتدي الحجاب الذي ارتدته مؤخرا بالتزام وكواجب شرعي لتغطية الرأس، وقد كانت تكتفي قبل ذلك بلبس العباءة والطرحة على رأسها كتقليد اجتماعي، وقد فضلت الجلوس في مكان لا يكشفها ذلك لانها تحس بأنها قادمة لمهمة اكتشافية الهدف منها التحري بسرية عن وجود شخص معين.
    كانوا يشعرون بقلق ان تفشل مهمتهم، ولايأتي سالم لأي سبب، وكان عبدالرحمن ينظر للساعة حيث لديه مصالحه الخاصة التي يحاول بالعمل بها زيادة دخله من وظيفته الحكومية، وكانت وضحة قلقة على ابنها وابن شقيقها اللذين احضراهما للسباحة وتركاهما في البركة دون رقيب مع انهما في العاشرة من عمرهما ويستطيعان الاهتمام بنفسيهما. أما حسن فقد احس بأنهم اضاعوا يوم تدريبه بوساوسهم التي لا مبرر لها ، وكان غير راضٍ لانقياد عبدالرحمن لشقيقتيه، وكان يود لو انه لم يشجعهن، واجبرهن على قبول الأمر الواقع. . الخطبة بالشكل التقليدي كبقية خلق الله، فهو لا يعنيه كثيرا ما يحيطون به انفسهم من مشاعر وخطط.
    في لحظة ما كأنها النجاة قال لهم.
    هذا هو المرتدى ملابس التنس البيضاء. عن اذنكم سأعاود السباحة ونهض.
    وقبل ان يبتعد صرخت وضحة بصوت خافت وهي تقول برعب:
    انظروا اليه انه يحدق صوبنا. .هل تراه يعرف..؟؟
    كان سالم بالفعل قد لفت انتباهه وجودهم، وكانت نظرته بالفعل كأنه يتفحصهم وبدا كأنه لاحظ بأن هناك ست عيون تحدق به في نفس الوقت، لذلك لم يترك حسن يتخطاه و هو يراه قادما ليعبر من حوله، وبادره بالمصافحة، وبعد أن عرفه بنفسه ، سأله بجرأة.
    اليس هؤلاء الأهل. .اريد السلام عليهم
    ارتبك حسن ولم يدر كيف يتصرف اوماذا يقول، وقاده باستسلام الى طاولة الجالسين الذين علاهم الارتباك وسكنتهم المفاجأة. !
    وبشكل واثق. .عرف سالم عن نفسه كذلك فعل عبدالرحمن وقد تجاهل وجود شقيقتيه، انه سلام رجال ولكن سالم لم يعر تجاهله انتباها، والتفت صوب سارة وقال بجرأة فاقت سابقتها :
    الست الآنسة سارة. . لقد لمحتك في وقت سابق من الأسبوع الماضي في جهة عملك. ؟
    حاولت سارة ان تتذكر ان رأت وجهه ولكنها لم تستطع. . لا اذكر انني رأيتك من قبل. ؟
    بالفعل لقد كنت مشغولة وعلى عجلة من امرك ولكنني كنت واقفا عند المصعد عندما كنت تعبرين الممر ومعك بعض الأوراق،هزت سارة رأسها وكأنها استوعبت كلامه بينما أفاق عبدالرحمن، واستعاد طلاقة لسانه وقدرته على احتواء الموقف لكنه لم يدرك هل هو الذي دعا سالم للجلوس أو انه شاركهم ببساطة جلستهم، بينما اضطر حسن الى معاودة الجلوس على مضض، وانسحبت وضحة من الجلسة لارتباكها، ولم تتعود الجلوس على طاولة مع غريب ولو بحضرة اشقائها. وقالت وهي تداري خجلها وكأنها تحدث نفسها:
    سأطمئن على الأولاد.
    علق سالم بصوت واثق من نفسه:
    ياله من مكان جميل لكي يتواجد فيه افراد الأسرة، ويزاول الأطفال الرياضة مع ذويهم ولكن كما ترون ان المستفيدين هنا فقط الأجانب بينما المواطنون يحضرون بدون عائلاتهم، ويحرمونهم من حقهم بالترفيه والاستمتاع.
    تململ حسن في مكانه كأنه احس بأنه المقصود حيث انه لم يسبق أن احضر زوجته او اي احد من افراد اسرته قبل اليوم، حيث انه يعتبر بأن لا مكان للسيدات في هذا النادي المختلط، وقال بشيء من الضيق :
    يوجد فرق بيننا و بين الأجانب فهم لا يراعون حرمة نسائهم و كل شيء جائز لديهم.
    قال سالم :
    الدنيا تغيرت يا اخي والنساء ايضا يحتجن الى الترويح مثلهن مثل رجالهن. و كما ترى هذا المكان الجميع في حالهم ولا توجد مضايقات و ما الى ذلك.
    استمرت الجلسة بعد ذلك و قد استظرفها الاخوان لانها تحولت الى مواضيع العمل و التجارة والعقارات أحوال البلد. وبعودة وضحة مع الولدين قد خرجا من البركة متلفعين بفوطهما ينتظران حسن لأخذهما لحمام الرجال، استأذن سالم بينما انضمت وضحة الى عبدالرحمن وسارة، وهي تسأل بفضول :
    هه ماذا حدث ما هو انطباعك ما رأيك. .؟
    قالت سارة بانبهار: ليس اكثر من انه ساحر جذاب وجنتل، لم أر شخصا بهذا الذوق والكياسة والثقة بالنفس و. .
    اسكتها عبدالرحمن :
    يكفي. . يكفي عرفنا الخلاصة، يعني نقول مبروك.
    وتمت خطبة سارة وسالم

    وللأحداث بقية

      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء ديسمبر 12, 2017 2:29 pm