دعاش

ثقافى إجتماعى


    رواية البحيره الفصل الخامس

    شاطر
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 29
    نقاط : 88
    تاريخ التسجيل : 04/04/2010

    رواية البحيره الفصل الخامس

    مُساهمة  Admin في الإثنين أبريل 12, 2010 4:07 am

    المؤامرة



    وهكذا كان.. بوسائلهم وببساطة منقطعة النظير استطاعوا وقف التحقيق وسحب الاتهامات وتهويمها وحرقها وتبخيرها كأنها لم تكن.. !! وحدها سارة التي توغل فيها القهر والغيظ واحرق كل مسامها، وحدها التي باتت معرضة لانعكاسات واجهة صلبة تعكس اشعاعات كل احقادهم وتهديداتهم وحربهم النفسية.. !! لم يكتفوا بتكذيبها وإزاحتها عن طريقهم ولكن جعلوها هدفا سهلا لأزلامهم ومحسوبيهم ووسطائهم ليسقطوا عليها عقدهم وتخرصاتهم وتلفيقاتهم، لم يبق احد منهم لم يحاول استدراجها بالحديث لعله يتصيد شيئا ما يؤذيها منه اويحاول حفر حفرة لها اويحاول إيقاعها في شرك مدمر.

    ولم يكتفوا بذلك بل قاموا بتجميد عملها بحيث آلت المسئوليات الي موظف جديد تم نقله من قسم آخر وخرج تعميم بتوليه المسئولية من تاريخه. كانت تستشيط غيظا وانفعالا واشمئزازا في البداية وعندما ارهقت اعصابها وتعبت وحامت عليها بوادر الانهيار العصبي اختارت الصمت والابتعاد والانزواء. ومع ان المحسوبين كانوا يفرحون بتوترها وارهاقها النفسي ويجدون فيه ارضا خصبة لميولهم العدوانية ومجالا واسعا يمنحهم مادة غنية من الأكاذيب والحكايات لتلفيقها والصور المريضة لنسجها إلا إنها كانت تمنحهم هذه الرغبة وتفتح لهم الأبواب لينهشوها ويتلاعبوا بلسانها وبنواياها، ويشوهوا وجدانها وحقيقة مشاعرها. كانت مطعونة بالصميم وكانت كمثل المذبوح الذي لا يملك سوي الانتفاض والتلوي لتفجير آخر مخزون من الرفض والغضب قبل ان يهمد الجسد تماما.

    وأين كان مثلها الأعلي، وتمثالها الماسي، وأفقها النير، اين كان سلطان من كل هذا.. ؟؟ اين كان المسئول الأول في المنشأة والتي تدور الأحداث له، ومن حوله، ومن تحت عباءته.. ؟؟

    اين هو مما يجري.. ؟؟ هل هو راض بما يحصل.. ؟؟ إذن ما ابعد الشقة بينه وبينها.. .؟؟ هل هو من يحمل كأس العذاب والهوان ويتلذذ برؤية حواشيه وهم يجبرونها علي ابتلاعه.. ؟؟

    هل هو من حزب الشيطان وشلة المصالح وشيلني واشيلك والأزلام والمحاسيب والشللية والمنافع وإطعام الأفواه الشرهة واكتساب المحاسيب والأنصار علي حساب النفع العام وسلامة الإجراءات.. ؟؟

    كانت وحيدة لم يتجرأ احد في المؤسسة لمؤازرتها ودعمها وتشجيعها، ولو بالكلام مع ان واجبهم، ومسئوليتهم امام ربهم وانفسهم الوقوف والدعم والشهادة بأن ما أوردته بدعواها كان حقيقة وقد تم تنفيذها، والاستفادة منها بموافقة مسئولي الوزارة انفسهم.. !!

    السكوت عن الحق شيطان اخرس.. !!

    وكانوا جميعهم شياطين حينها.. !!

    يا الله لم يعاقبها الجميع لأنها تمسكت بالنزاهة والحق.. ؟؟ لم نبذوها وتخلوا عنها كأنها مصابة بمرض معد..؟؟ إلا أنها واجهت الباطل وتمسكت بالحق العام، ودفعت الثمن من مستقبلها واعصابها وعملها.

    لقد سقطت في هوة عميقة من صدمة المفاجأة وقسوة المعاملة وانتحار الحلم.. !! حينما تتبدل وجوه الأصدقاء وتختلط المشاعر وتتمازج المصالح. كانت وحدها تبحر في مركب التيه تحاول ان تجد قلوبا مخلصة تقف معها ومع الحقيقة والحق اللذين طالما آمنت بهما ولكن دون جدوي.

    لقد خذلها سلطان.. خذلها في الصميم ليس كمسؤول تخلي عن امانته، ولم يوقف الظلم الذي نالها ولكن ايضا كإنسان اعطته من وهمها بأنه مقرب اليها، ويحس بها كما تحس به، قد انهار الوهم، وبينت الأحداث المتلاحقة بعد ذلك بأنه يسعي للانتقام حتي لا يفكر أحد بالتعالي علي المنشأة، وتربية جناحيه اكثر من اللازم، ومحاولة الطيران وتجاوز تقاليدها المتزمتة. بعد ان تحمس لها في البداية ومنحها الصلاحيات لكي يكون لها دور فاعل في تطويرها وتحديثها، لقد كان واضحا تعرضه لها بالأذي بواسطة مخبريه وحثالة المؤسسة الذين تكالبوا علي ازعاجها، كل منهم يريد ان يفوز بالسبق للتنكيد عليها، والحصول علي صك ادانتها، ووصمها بالتهم الجاهزة التي يودون الترويج لها. كأن اعدام شخص والنيل منه وتشويهه اصبح مطلبا يؤجج حماسهم للغدر والطعن والتهشيم.

    تليفونها مراقب، ومكتبها مقتحم، وادراجها المقفلة منتهكة بمحاولات خارجية لفتحها، الأوراق الخاصة التي تنساها كدفتر تليفونها منتشلة، زيارات من أناس لم تعرفهم سابقا يأتون لاستجوابها بشكل غبي يستفز اعصابها بينما يدعون البراءة.. كان الجو حولها يدفع للفوران والغثيان، والغضب الكاسح والتوتر والقلق وعدم فهم هذه النفوس الملوثة والمؤججة بالكراهية والإيذاء والبلادة..!!

    كل ذلك وفي داخلها جانب غبي ما يزال يدافع عنه ويصنع له الأعذار.. !! ما زالت لا تصدق بأن اعجاب هذا الشخص بها او ما اشعرت نفسها بأنه اعجاب، سيتحول الي كره محمل بالبغض والعدوانية رغم كل المسلمات العقلية والشواهد المنطقية علي ذلك الأذي والتنكيل..!! حتي محاولات الضغط عليها للتراجع عن موقفها التي زاولها كبار الموظفين مستترين بصغارهم كأنها لا تستحق ان يظهروا لها وظائفهم الحقيقية لم تفلح في هزها من ذهولها، والمحاولات القميئة لزيادة توترها من أناس يجهلون حقيقتها الداخلية، ويسقطون عليها اسقاطاتهم النفسية المريضة، ويحاكمونها بناء عليها لم تفلح في افاقتها من الصدمة، أما دسائسهم الرخيصة لجرها للوقوع في المصائد النتنة والمؤامرات الرخيصة لم تفد سوي في انسلاخها من الواقع والهرب بعيدا داخل نفسها تريد الحماية من الداخل، بعدما تحول العالم الخارجي الي غول يحاول التهامها والوقيعة بها واحراقها حية في محرقة العداوة والبغضاء التي تسيرها شياطين لا يحكمهم التقوي ولا ذكر الله ومخافته..!!

    هل يمكن ان يعيش الإنسان وحيدا محاصرا بالأوهام والأشباح والتخرصات المريبة..؟؟ هل يمكن ان تستمر طويلا تجابه تلك الحياة المخيفة التي لا تفسير لها..؟؟ تتحدث مع احد في الصباح لتجد في المساء ما له علاقة بالموضوع يحدث..!! امور تقع في النهار ولا يكاد ينتصف حتي تواجهها مواقف لها علاقة بهذه الأحداث، ويا ليتها تكون منقولة بشكل صحيح ولكنها محورة بشكل بشع مما يوقعها بالحرج والألم وسوء الظن.. !!

    لقد عانت كثيرا من نظرات تحمل الكثير، وردات فعل للأشياء لا تفهمها كأن هناك اشخاصاً يريدون إدارة حياتها بأسلوبهم، وتوجيهها بشكل منحرف ومقزز. تعبت من الدفاع والمجابهة، والصبر والصمت والتغاضي، والدوس علي نفسها وقهر غضبها وغيظها. تعبت من تكذيب ما يحدث لها، وإنه اضغاث احلام وإنها تتخيل الأذي وربما تعاني من عقدة الاضطهاد. تعبت من اتهام ذاتها بالمبالغة والتخيل وجنون العظمة. لم تعد تتحمل تهاونها وضعفها في وجوه من استحلوا الاستعلاء عليها وتجاوزها وقد استمرأوا صمتها وإذعانها لما يحدث. كانت كل طعنة منهم تحفر اخدودا في صدرها وتقول لها.. هل ما زلت لا تصدقين إنهم يطعنونك في صدرك وامام ناظريك وأنت تتغاضين، وتساعديهم علي وجعك بتواطؤك الصامت ضد نفسك.. ؟؟ هل ما زلت مصممة علي خذل ذاتك وقهر استيائك وتكذيب احساسك وتركهم يعيثون الفساد في طبيعتك..؟؟

    لقد تحولت الي إنسانة فاقدة الثقة في نفسها..؟؟ لا تعرف كيف تدافع عن حقها لأنها لا تفهم من الأصل سبب الهجوم عليها..؟؟ ولماذا..؟؟ ولا تفسر إيذاء الآخرين لها حتي من احسنت لهم. هل تريدون معرفة معادن الناس..؟؟ اكرموا الكريم وستعرفونه عندما تملكونه، واللئيم سيطعنكم بلدغته لأنه سينقلب عليكم ويكشف لؤمه ووضاعته.. ويا إلهي ما اكثر اللؤماء وما اضعفها واشد خيبتها حين لا تعرف التعامل معهم.. !!

    أليس هو الشيطان يتخذ وجوهه، ويرتدي اقنعته..!!

    انه الإحساس بأن المرء يعيش وسط عالم من البشر يبحث عما يضايقه ويسوءه كي يقوموا به لكي يستفزوه. انه اشبه بشخص يحيا وسط مجموعة من الحثالة ينقبون عما يمكن ان يعد صيدا ثمينا يكشف وجها دنيئا للشخص الآخر، وجها يمكن ان يكشفوه ويعروه ويدينوه به ويتشفوا من اماطة اللثام عنه.

    والأسوأ من كل ذلك انهم يتراكضون لإرضاء ارباب نعمتهم بتحطيم الآخرين.. انهم كالمرتزقة الذين يحاربون اشخاصا لا لأنهم يختلفون معهم بالمبدأ والعقيدة بل لأن من يدفع لهم يفعل مهما كانت ديانته ومبدأه وهدفه..!!

    بأي منطق وتفسير وسند.. ؟؟ لإرضاء الغير ؟؟ وهل تعمي البصائر لهذه الدرجة بحيث تداس كرامة الناس وخصوصياتهم ومشاعرهم وحياتهم في سبيل ارضاء ذوي النعم والنفوذ.. ؟؟

    هل تكتسح احاسيس البشر ومشاعرهم وحياتهم برمتها وهل يتم التلاعب بمصائرهم وكأنها حبال من ليف دون احساس بمدي عذابهم والآمهم وتعاستهم.؟

    ما هو شكل العيش وسط مجموعة تنقب في ما حولك، ماضيك وحاضرك ومستقبلك، زلات لسانك ونواياك ونظراتك وتطلعاتك وامنياتك واحلامك. ؟

    تستغل ساعات غضبك وتستفيد من تنفيث همومك وتستخدم لحظات رضاك، تسارع الي التقاط ما يبدر عنك لتستخدمه سلاحا ضدك وكنصل تغرزه في صدرك.

    اذا لم يكونوا هؤلاء الأعداء فمن هم إذا..؟؟

    ما هو تفسير كلمة اعداء وما تحليلها..؟؟

    هل اختلطت عليهم الأمور وذابت المعايير ولم يعودوا يفرقون بين متعة الفوز والكسب، وبين الخوض في حياة الناس والعبث بها والتلاعب بمشاعرهم وسحقها والدوس علي خصوصياتهم وانتهاكها واقتحام خلواتهم بكل شراهة وسطحية ووحشية وسوقية. لقد فقدوا الإحساس بمدي الحدود ما بين المسموح والممنوع، وبين الممكن وبين المرفوض، وبين الطبيعي وبين المختلق والمزيف والمصتنع.. !!

    كانت تعيش حالة من الترقب، كانت تعرف بأن هناك صفعة مؤلمة ومفاجئة وغير متوقعة قادمة، ولكنها لا تعرف متي.. ؟؟ ومن أين.. ؟؟ ومن من.. ؟؟ وما هي.. ؟؟ ولكنها تدرك بحكم تداعياتها السابقة بأن الصفعة ستكون من مصدر غير متوقع وليس من الممكن التنبؤ به وبأسلوب لا تتوقعه اوتفكر بتفاصيله.

    ( إنك صدامية مع الجميع ).. يا لها من عبارة مميزة لخصت كل شيء.. !!

    هل ما يفعلونه معها هو اجراء تأديبي ردعي، ألا يكفيهم لجمها وتكميمها وتجريدها من صلاحياتها وتقليم أظفارها أم ان المطلوب تركيعها واذلالها وكسر كبريائها..؟؟

    ويجدون تبريرا كافيا لذلك ومعقولا فقد تعودوا علي الطاعة العمياء وطأطأة الرؤوس ولا يعلمون ان هناك عقليات ترفض ذلك وتدينه. ما اتعسها عندما اضاعت كل الخيوط من يديها وتركت نفسها العوبة لمن يحاول استفزازها واستغلال ظروفها لأي سبب، فبدأت تفقد شيئا فشيئا اعصابها والبقية الباقية من اتزانها..

    ولم يكن بداً من الانهيار.. !!

    تعبت اعصابها من الأشباح المتخفين الذين تري آثارهم وبقاياهم حولها، والذين يتشكلون في احلامها علي شكل كلاب مسعورة تحاول نهشها أو حشرات تطاردها بوحشية.. !!

    هل ما يحدث حقيقة ام وهم.. وما أبشعها من حقيقة وما اقساه من وهم.. !!

    شيئا فشيئا.. اصيبت بالإرهاق والأرق والتعب والذهول، والانخلاع عن الواقع والشعور بالخوف من المجهول.

    كانت صدمتها في الآخرين تشلها وتعطل تفكيرها وحواسها وتوغل في تغييبها.. ووقعت في الانفصال عن الواقع ، لا تصدق خيبتها في أناس وثقت بهم واحبتهم واكتشفت بأنهم ينالون منها ولا تفهم لماذا..؟؟ وهل يساوي هذا شيئا..؟؟


    الخامس عشر


    التوتر


    كان سالم يفقد ترابطه، وهو يعرف منها التطورات التي حدثت معها، وكيف تم تكذيب الوقائع والتحقيق معها بتهمة الادعاء بتهم باطلة بحق المسئولين بالمؤسسة، وقد جري إعادتها الي وظيفة عادية هناك ليس لها علاقة بالعمل التنفيذي أوالإداري ككل، اي وظيفة بدون عمل ولا ادني صلاحيات، سواء أكانت موجودة أوغير موجودة سيان. !

    وتحول الي اللوم والتقريع عندما عرف النتيجة وصرخ بها بالتليفون :

    هذه عاقبة تسرعك وتهورك.. مالك ولهم.. ؟؟ هل تستطيعين مواجهتهم.. ؟؟ من لديك.. ؟؟ من سيقف معك.. ؟؟ فقط جررتينا الي المتاعب.. !! لقد اوقوفك.. !! هل انت مرتاحة الآن. . ؟؟ وسيتقصدونك ويضعونك علي اللائحة السوداء ولن يسامحوك ابدا علي تهورك وتحديك وصفاقتك..!! ثم ما ذنبي انا لتجريني معك.. ؟؟ هل نسيت إن مكتبي يتعامل مع هذه المؤسسة، واحاول جاهدا توثيق الروابط معهم لأجل المناقصة القادمة.. ؟؟ لم تفكري إلا في نفسك ولا تضعين اعتبارا لأحد.. ؟؟

    ها هي الصدمة الثانية تصفعها.. لا تضعي اعتبارا إلا لنفسك.. .!! وما هو هذا الاعتبار..؟؟ التوقيف والنبذ والشماته ونظرات الحقد والكراهية. هذا كل ما جنته فهل كانت تبحث عنه في الأساس. . ؟؟ هذا الجو المحموم المحمل بمشاعر الكراهية يكاد يفيض بكثافته ويقتل كل محاولاتها للسيطرة علي اعصابها والتماسك. إنه جو مدمر يقودها الي الانعزال والشك والريبة والتوهم وعدم الثقة بالآخرين.

    لم تطق سارة المتابعة بهذا المنطق العقيم من جانب سالم وردت عليه بعصبية بأنه من الأفضل عدم اثارة الموضوع لأنه تم ولا رجعة فيه، وتابعت بتهكم. ولا مجال لندمك ايضا وكل الذي راهنت عليه إذا كان تفكيرك كذلك فقد خسرته.

    لم يكن سالم راضيا عليها ولا من اسلوبها وقد ظل اسبوعين لا يكلمها.

    لم تتوقع سارة ردة فعل سالم المؤنبة. ولم تربط بين عمله وعملها ولم تفكر بأن هناك تداعيات لتصرفها لديه. من البداية هما يعملان بأسلوبين مختلفين ولأهداف متناقضة ويقولون لها.. ما دخل الزواج بهذا وإنه ليس سببا للرفض اوالانفصال في حالة الارتباط..؟؟ كيف لا يكون عندما تكون مشاعرهما مرتحلة بقطارين ذوي وجهتين متناقضتين.. ؟؟ إنه خلاف فكري ينسف أية دعائم انسانية اخري قد ترتكز علاقتهما عليها. لم يهمه في الموضوع إلا مصلحته ولم ينتبه الي نزفها الحاد. وفي وضعها كإنسانة مطعونة من المكان الذي احبته اكثر شيئا في عمرها ومنحته اجمل سنوات حياتها، لقد فقدت نفسها، شخصيتها، كيانها، حلمها.. .ألم يفطن الي انها فقدت هويتها.. ؟؟

    من هي الآن..؟؟ بلا شخصيتها وتأثيرها في العمل. كأنها مغنية سحب منها صوتها فهي لا شيء بدونه، وكأنها عازف بيانو احرقوا اصابعه، او رسام قطعوا كفيه فكيف تبدع وتلحن وترسم.. ؟؟ لم يعرف إنها كأم ثكلي انتزعوا وليدها منها قبل ان تتم رسالتها بتربيته وتراه يشب عن الطوق.. ؟؟ الم يحس بآلامها وألم يسمع عواء روحها وألم يلاحظ شحوبها وقد انتزعوا البسمة منها.. ؟ الم يرها جسداً بلا روح.. ؟؟ بدلا من ان يخفف عنها ويعوضها وينتزعها من الهوة التي تتآكلها والدوامة التي تلفها.. يلومها ويعنفها وينشغل عنها.. ؟؟

    هل تستطيع ايضا ان تثير الزوابع معه، وهو بارد اصلا لا يكاد يرد عليها إن اتصلت، وإن تجاهلته تصلها منه مكالمة مقتضبة يقول فيها إنه مسافر حاليا، أو لديه بعض الأعمال التي لا تقبل التأجيل.

    بل إنها عندما بحثت لديه العزاء وارادت مسامحته علي موقفه، وعاتبته لعدم السؤال، تعلل بانشغاله الدائم، وحينما تسمع ضحكات نسائية حوله لا يكلف نفسه عناء الاعتذار والمداراة بل يرد بلا مبالاة إنها سكرتيرته أو احدي وكيلات الأعمال التي يناقش معهن بعض الأشغال.. !

    من المفجع بأن زفافهم المقرر حسب الجدول السابق سيكون موعده بعد اربعين يوما، ولكن مع هذا التوتر والفتور الذي اعتري علاقتهما، احست سارة بأنه سيتأجل وربما لأجل غير مسمي.

    كان من الواضح لديها بأن سالم يستعمل بروده وزعله وادعاء انشغاله لكي يضغط عليها لتغير اسلوبها مع المؤسسة، وتواكب الجمع وتتراجع عن ادعاءاتها. ففي الوقت الذي كانت تتألم وتعاني فيه، كان يزيد من ضغط شبكة العنكبوت عليها، ويريدها ان تركع وتنحني، ولم يعجبها ذلك..

    لم تعجبها شخصيته ولا سلوكه ولا موقفه، كانت محتاجة الي حنانه ودعمه وتأييده، الي وجوده معها يسندها، وليس كما يفعل يتواري ويختفي، وحتي دون التفكير بإيجاد عذر مناسب لنسيان الاعتذار عن تأجيل موعد زفافهم، والتظاهر بالتشاغل ولا يهتم بما قد تفكر وما قد تمر به من جراء هذا الوضع المتوتر.

    كانت محطمة بالفعل، نفسيتها تزداد سوءا بالوحشة التي تحسها بالمؤسسة، والجو المريب الذي يحيط بها كأنها قد خرجت عن السرب وايقظت الشامتين والحاسدين الذين كانوا يرقبون نشاطها الوظيفي بحسد، ولا يعترفون بأنه جراء جهدها واخلاصها وقدراتها، كانوا يخافون صعودها لأنه بشكل ما يذكرهم بوجود فجوة بإمكانياتهم ويكرهون لهذا السبب نجاحها، وفرملتها وتحجيمها يعني إعادتها للحجم الطبيعي الذي يمكن مسايرته.. ولكنه لم يكن حجما طبيعيا بالنسبة اليها، لقد كان تهشيما واسوأ من ذلك كان تشويها، لقد تزلزلت بها الأرض من الصدمة وما زالت. إتها لا تطيق الألم المصاحب لإحساسها بالظلم.. الذي يضاعف الشعور الداخلي المبهم الذي يسيطر عليها، ويشل قدرتها علي التقييم الحقيقي للمشكلة، ويضاعف ردود افعالها. انها تنسحب الي الداخل وتغيب عن عالمها لتبتلعها الأفكار والتهيؤات وتفصلها عن الواقع لتبقي اسيرة المشاعر المتضاربة التي تعصر قلبها.

    تود لو تفرغ شحناتها العصبية.. كأن تضرب الحائط اوتصرخ اوتجري وتجري وتجري. بات الوهم ينسج شبكته المخيفة ويحاصرها ويعزلها في كهف الخوف والترقب وبحر التخيلات. إنه محيط هائج من وقع في لجته يضيع ويتخبط، سيظل يفسر كل نظرة، ولن تفوته اية اشارة وكلمة، ولن يتجاوز أي موقف بل سيتوقف لديه ويشرحه بالتحليل والتفكير، ويتخبط فيه وستضلله الوساوس، ومن يدعي إنه يدرك كل شيء ويفهمه فهو مخطئ، حتي لو اصاب ببعضه وحتي لو أحس بأنه في الجو غيم.. لكنه لن يدري بكل تأكيد بحقيقة ما يدور، ولعلها امور لا علاقة لها به و بالذي يعتقد.!!

    هل يمكن للمرء ان يدخل ضمائر الناس ويفسرها بالأسلوب الذي صمم عقلهم علي التفكير به، بالطبع لا.. ولكنها تحس بأرواح حولها تستهدفها تترصدها تحاول التلصص عليها ونبش اغوارها والتوغل في شرايينها.

    لم تكن مخطئة بظنونها نحو الكثيرين ممن حولها ولكنها كانت مخطئة في إبعاد قلوب أخري احبتها وأرادت التعاطف معها بصمت ولكنها مذعورة وخائفة للدرجة التي جعلتها تكاد تشك حتي في اخوتها وخطيبها مع تصرفاته المريبة التي تزيد من ظنونها وشكوكها وتكسر إيمانها بمن حولها.

    يا لهذا القلق الذي ينهشها.. قلق يمنع النوم عنها، ويشغل بالها، ولا يدعها تري غير تيار تفكيرها الصاخب

    يسكنها لحد الوجع، ويستولي علي اهتمامها وكيانها، ويمتص وجودها خلاله فلا تتنفس الا دوائره المتداعية بالحيرة والتوتر.

    انه الخوف من القادم.. من الآتي.. من المجهول

    اللهم اكفنا شر ما في الغيب

    ما كانت تردده والدتها في الفجر عندما يأتيها صوتها بين صحوة النوم واليقظة وهي توقظها

    اصبحنا واصبح الملك لله، اللهم إني لا اسألك رد القضاء ولكن اسألك اللطف فيه

    وكانت تعتقد نفسها ذكية عندما كانت تعلق في سرها.. ما دام بإمكاني السؤال برد القضاء كله.. لماذا اكتفي بطلب اللطف والتخفيف من شدته فقط.

    وعندما عصرتها المحن، ادركت بأن القضاء واقع لا محالة ولا راد له.. ولكن التضرع يكون فعلا ليهبنا الله القدرة علي تحمله ومواجهته وعدم الانهيار فيه. الدعاء بأن يلهمنا الله القوة لتقبله وابتلاعه وتجاوزه بدون ان نفقد عقولنا اوقدرتنا علي التصديق والاحتمال وتقبل مصيرنا والاستمرار به.


    السادس عشر


    الخيبة


    الذي لا تعرفه سارة إنها عندما بدأت نشاطها الإصلاحي بالمؤسسة، ورفع تقاريرها بضرورة تغيير اوجه التسرب وووضع الخطط التنموية، وعندما كانت ترفق الحلول والتصورات، وتضع التنظيم لإنتاجية المعامل وتحسين ادائها، وتوصيف المواد اللازمة للمختبرات ووضع جداول لكل العمليات المصاحبة لها توضح تحركاتها وجميع المسارت التي تمر بها لتتبعها ومعرفة استهلاكها بدقة والمواقف التي تتعطل لديها لتمكن من نقاط ضعفها وتلافيها وتشغيل الطاقة الممكنة للإنتاج. عندما بدأت تصمم علي عملية التغيير والنمو كانت افكارها تصل مسئولي الوزارة، وكان الوزير شخصيا من اكثر المتبنين لها والمهتمين بتنفيذها، والذي استفاد منها وادخلها في تعليماته والقرارات التي اصدرها. ولم يعجب المسئولون الآخرون إيمان سلطان بهذه الموظفة التي تهدد مصالحهم، وانتقادها للأسلوب الذي لا يعرفون غيره لإدارة العمل والذي يهبهم السلطة المطلقة بدون أن يسمح لأطراف اخري بانتزاعها منهم، والذي يهبهم شرعية التملك والأخذ والتوزيع والتصرف بدون وضع معايير للصالح العام وللتنظيم وحماية الموارد، إنهم لا يستوعبون ان يكون هناك فصل بين ميزانية المؤسسة وتنظيمها وبين املاكهم الخاصة، إنهم لا يخضعون لقوانين ولوائح ولم يخضعوا يوما ولا يعجبهم أن يخضعوا لها، إنهم يعينون من يريدون وينقلون من لا يحبون، يرفعون من رضوا عنهم، ويشيحون بوجه من غضبوا عليهم، يديرون المؤسسة بما تمليه عليهم مصلحة اعمالهم الخاصة هذا الذي يعرفون، أما أن تأتيهم فتاة متفلسفة تريد ان تطبق افكارها ومثاليتها فهذا مرفوض مرفوض، بل إنهم ما زالوا حانقين علي توظيفها بالدرجة الأولي وفتح المجال لها لترسي شخصيتها ونظرتها للأمور.. !!

    كان وكيل الوزارة يفور غيظا من كل ملاحظة ترفعها، وكيف يهتم بها سلطان فحاول ان يعرقل وصول مذكراتها، ولكن هناك نسخة دائمة الي مكتب سعادة الوزير. لم يكن المديرون الكبار وبقية المسئولين يختلفون عن مشاعر الوكيل وزملائه الحانقين اما لنفس الأسباب أو لأنهم لا يريدون اغضابهم، ويودون كسب رضاهم والتودد اليهم، مع ادراكهم بصحة ما يكتب وضرورته لحماية المؤسسة وتطورها.

    لذلك كانت القشة التي اوقعت الجمل عندما اندفعت سارة بالاتصال بمكتب المدعي العام بعدما تأكدت ان حاميها حراميها وكيف تشكو الي الخصم ليكون الحكم، وعدم تبليغ مسئولي الوزارة اولا للتحقيق بوقائع المسودات التي تظهر التجاوزات والتدبيرات الفاحشة بمقدرات المؤسسة ومصروفاتها. حينها وجد الوكيل المؤشر الذي يستند عليه، فدخل غاضبا مكتب سلطان ورمي علي المكتب خطاب استدعاء الادعاء العام وفجر قنبلته :

    الم اقل لك إنك وظفت ارهابية.. ؟؟ الم انصحك بتوقيفها وعدم ترقيتها.. ؟؟ الم اشكك بنواياها وتحذلقها.. ؟؟

    وسلطان لا يفهم شيئا مما يقال حوله، وعندما فهم كان يوما صعبا عليه هو الآخر لأنه آمن بها وتبني بالفعل اطروحاتها واحترم تفكيرها. كان يعدها لمنصب اكبر ولدور اعمق لتطوير المؤسسة ونقلها الي افق انتاجي وتنظيمي حديث، وفجأه ينهار كل شيء ويتلاشي الصرح الذي خطط له لأه يعلم يقينا بأن لا يوجد احد في المؤسسة يملك نفس فورة الحماس والقدرة علي مساعدته في تحقيقه.

    لم يكن سلطان اقل ضيقا من مساعديه والأعضاء الآخرين في الوزارة من سوء تصرفها برأيه، وكان ايضا لا يحبذ تطاولها بفرض مثالية اصبحت غير واقعية وتتنافي مع واقعه الذي يفرض عليه إرضاء رجاله. ولكنه كان الوحيد الذي يعرف بأنه بإبعادها وتهميشها وانتزاع صلاحيتها الوظيفية قد اخذت معها الحماس والتصميم والروح التي تعطي المؤسسة الحيوية والتجدد والحياة النابضة.


    السابع عشر


    الحادث


    يفرح الناس بعطلة الربيع حيث يستمتعون مع اولادهم بعد عناء الامتحانات وفرحة نجاح منتصف العام ولكن وضحة لم تفرح بالإجازة بل كانت إذانا بغياب خالد وسهره وعدم عودته الي البيت احيانا بدعوي النوم في مجلس أهل صديقه بعد ليلة سهر طويلة يقضيها مع الشباب.

    لم تفرح بالإنجاز الدراسي الذي حققه ولداها فاطمة ومحمد وشهادات التقدير التي حصلوا عليها ولم تستوعب حدوثها فقد مرت عليها بعيون زائغة كأنها تحصيل حاصل ولم تكن تشعر بأنها مباركة من الله علي هذين الرائعين مع اخوتهما الأصغر نواف وريم وإنهم بخير وصحة. للأسف فيكفي أن يكون عضوا متأخرا في الجوقة ليفسد اداؤها مهما كان بقية العازفين جيدين.. !! عندما يتحلق ابناؤها حولها يحاولون بغريزتهم الطفولية شد انتباهها اليهم، يريدون نصيبهم منها لا ينالون سوي الشرود والنظرة الساهمة الغائبة في الأفق ووضع اسوأ الاحتمالات والمخاوف. يحاولون شحنها بمرحهم وحيويتهم ولكنها منطفأة تماما تكاد تفرغ ما في جوفها لكثرة الامتعاض والقلق.

    لقد فوتت عليها الاستمتاع بسنوات عمرهم الجميلة، كأنها تعاقب نفسها علي عدم استطاعتها مساعدة ابنها البكر، وايقاف اندفاعه وفتح عينيه ليري الطريق الوعر الذي يقودهم اليه.

    إنها تحبه كقطعة من فؤادها وتصلي وتطلب من الله فقط أن يهديه ويجعله شابا صالحا طبيعيا كغيره من الأولاد. لقد اصبحت مراهقته الصاخبة اكبر من قدرتها علي الاستحمال والاستيعاب.

    عندما كانت ترتب مخزنهم وتنظم ما فيه اصابتها الكآبة طوال اليوم، كانت هناك شهاداته المدرسية في المرحلة الابتدائية والإعدادية وحتي في الروضة وهي تشي بنبوغ مبكر وتفوق وذكاء وعقل شفاف والآن يتخبط ضائعا لا يدرك ما يريد وربما يجهل حقيقة من يكون بأعماقه.

    بكت علي هذا الذكاء المهدور وعلي هذه الطاقة المبددة وعلي الحلم المبتور، إنه بكرها الذي قابلت امومتها به، إنه تحديها لتصنع شيئا جميلا خلابا وضعت كل جهدها فيه، إنه سهرها وتربيتها وتدريسها وصورتها الجميلة التي ارادت أن تباهي العالم بها، إنه قلادتها التي تتزين بها وقد اصيبت بالصميم وكان الجرح غائرا لا يتوقف نزفه.

    ليس اقسي من فشل الأم الصالحة في تربيتها، لو أنها اساءت ليكون ذلك مبررا للوم نفسها ولكنها عجنت روحها وكيانها من اجله، أم تراه الحب المندلق والرعاية المتدفقة والوصاية الحذرة تعتبر ذنبا ومدعاة للندم.. ؟؟

    كان تأزم وضحة واضحا عليها ويخنقها ويمد حوافره المميتة الي اعماق روحها، ولم يعد بيت والدها مقر بهجة وانتشال مما هي فيه من كآبة وضيق. فهناك يخيم جو جنائزي آخر.. فسارة يكاد يقتلها هي الأخري القنوط والأسي. لقد شحب لونها وضاق صدرها ولا تكاد تطيق آية هفوة ممن حولها. تغيب في عوالم داخل نفسها يقف علي ابوابها حراس وهميون لا تراهم وضحة ولكنهم يخرسونها ولا تستطيع في حضرتهم سوي الركون للصمت والاستسلام لأتون جحيمها الخاص تاركة اطفالها يلهون مع ابناء خالهم ويسلون جدهم.

    كمحاولة لكسر الروتين والصمت والانتظار البغيض لتغيير ايجابي لحياتهم، قالت وضحة فجأة :

    لم لا تأتون للغداء عندنا غدا الجمعة.

    تململت سارة مكانها، لم تتحمس فقد كان الطعام آخر مشاكلها.

    تابعت وضحة كأنها تكلم نفسها.. إنه نوع من التغيير وسأدعو عبدالرحمن واهله وتساءلت : هل سأدعو بقية الاخوان.. ؟

    سكتت فجأة وقد استبعدت هذا الخاطر فهي تعلم بأن زوجاتهم ستمطران سارة بالأسئلة.. متي الزواج..؟؟ وألم يكن مفترضا هذا الأسبوع.. ؟؟ ولم تأجل.. ؟ وإلي متي.. ؟؟ إنهن لطيفات ولكنهن فضوليات وأيضا فيهن نوع من الشماتة تكاد تحسه من عدوانيتهن غير المبررة لكثير من الأمور العائلية التي تصادفهم كعائلة كبيرة واحدة. وحدها فاطمة زوجة عبدالرحمن متفهمة وهادئة، وذات قلب كبير وتعرف متي تبتعد، وتحترم خصوصية الآخرين ولا تجرحهم والحمدلله إنها جارة سارة وليست واحدة أخري من زوجات الاخوة الآخرين.

    بعد تملل قصير، مالت سارة علي والدها كأنه سيقرر الرد، وسألته : وضحة تريدنا للغداء عندها غدا بعد صلاة الجمعة، ما رأيك يا والدي.. ؟؟

    ردد الأب بطيبة وهدوء.. علي خيرة الله، علي خيرة الله.

    كان غداء هادئا لم يحضره احمد كعادته ولو للترحيب بالضيوف فهو لا يطيق الفوضي وعبث الأطفال علي حد قوله وخصوصا وإن عبدالرحمن وعائلته اعتذروا لارتباطهم يوم الجمعه ببيت اهل فاطمة ولا يستطيعون التخلف لأن والدة فاطمة من النوع المتحكم وتسيء تفسير سلوكيات ابنائها ولا تسامحهم بسهولة إن اخلوا بأحد تقاليدها.

    كانت وضحة تغص بلقمتها فقد تأخر خالد ولم يعد للبيت من الأمس. وقد احست بأن هناك شلة مشاغبة بدأت تترصد له وتحاول مكايدته، لقد بدأوا يضايقونه مؤخرا ولم يكن يعرفهم من قبل، وصاحب ذلك تغير بعض اصدقائه وتناقضهم معه كأنه يعيش مرحلة تكاد تصعد مسار حياته الي المزيد من التشويش والبلبلة. إنها تحس بأنهم ينوون الشر ولكنها عاجزة عن نقل احساسها اليه، وما يتعسها أكثر بأن لسانها ملجوم مربوط لا يستطيع التعبير والنطق. كانت تود التدخل بالموضوع لتعرف ابعاده ولكن خالد يبعدها لأنها امرأة علي حد قوله وعليها ألا تتدخل في عالم الرجال. وكانت في نفس الوقت لا تريد الفتنة عند والده وتحريضه عليه بل تتمني ان يبادر بنفسه لاحتضان ابنه لا للصراخ عليه، لسؤاله بأبوة وحنان: لم تفعل ذلك.. ؟؟ لم تزج نفسك في المشاكل.. ؟؟ لم لا تهديء وترتاح وتحدد اولوياتك بسلاسة.. ؟ سأكون معك، سأرافقك كصديق وانزل الي مستواك واشاركك حياتك واتعرف علي أصدقائك واتحاور معك واحترم عقليتك واعطيك خبرتي وتفكيري وحكمتي. ليعرف قصة هؤلاء الدخلاء ولماذا يريدون الشر وألا يدركون بأن بعض المسائل تخرب النفوس وتدمر الكيانات وتدخل في المناطق التي يصعب الإرتداد عنها، وعندما تحدث يكون تأثيرها مأساويا إلا إذا كانوا من النوع الذي يستبيح الحرمات ويحلل الدمار والفتن إنها تعلم إن احمد عصبي لدرجة إنه لا يدعها تكمل كلامها ليشب فيها كالنار، كان خوفه اكبر من حبه، وخشيته من الآتي اكبر من يقينه برحمة الله والاتكال عليه.

    قبل صلاة العصر استأذن الضيوف فالوالد علي لم يفوت صلاة في المسجد الملاصق لبيتهم رغم عماه حيث يقوده السائق إليه مع كل فرض. اوقف السائق السيارة لدي عتبة الفيلا الداخلية حيث ركب الوالد في المقعد الأمامي مع السائق بينما اقتعدت سارة المقعد الخلفي وحاول نواف وريم الذهاب معهم ولكن والدتهما نهرتهما حيث إن اولاد عبدالرحمن ليسوا هناك وجدهما وخالتهما تعبان ويحتاجان للراحة قليلا بعد الصخب الذي عاشوه بينهم الساعات الماضية.

    غادرت السيارة حوش المنزل وبينما وضحة تعيد ترتيب ما افسده الأطفال وتفكر بالإستعداد للصلاة التي يحين موعدها بعد نصف ساعة من الآن حينما سمعت صوت بريكات سيارات وجلبة.. .هرعت تأخذ رداء رأسها وتستشف الموقف من عتبة الحوش ذي البوابة الكبيرة المفتوحة : مذا حدث، سليم، ماتي اين إنتم، ما هذه الأصوات.. ؟؟ اعوذ بالله من الشيطان الرجيم.. ؟؟ كانت ركبتاها تصطكان، هل تركب السلم لتري الموقف من السطح.. ؟؟ هل تخرج الي باب الشارع لتتبين ما يجري، هل ترسل ابنها محمد، واخذت تصرخ بعصبية : اين انت يا محمد.. اترك الكمبيوتر الآن واذهب ولتري ما يحدث بالشارع.

    لم يعرها محمد ذو الحادية عشرة ادني اهمية وتابع اللعب مع شقيقته فاطمة وصرخاتهم الجذلي تتراقص في المنزل.

    عادت وضحة تخب الي باب الصالة الأمامي كأنها لا تريد مفارقة الباب ومنه تعرف المعلومات : اين هؤلاء الخدم.. اين يختبئون.. ؟؟ كانت تدرك إنه موعد راحتهم اليومي بعد انتهاء وجبة الغداء حيث يخلدون للراحة قليلا ومعاودة العمل عصرا. كانت ترتجف غضبا وعصبية وتكاد تخر من طولها خوفا ولكنها تتماسك.

    ألا يتحرك احد.. ويأتيها من بوابة الحوش صوتا فيه ندب وبكاء وروع، كان سائقهم يهرول الي حيث هي واقفة تريد من يجيب عليها، وهو يردد بكلمات هستيرية مختلطة :

    خالد فيه موت، بابا علي فيه موت، ماما سارة فيه موت، كومار فيه موت

    هل وصلت الكلمات اليها، هل استوعبتها وسائقهم يرددها وقد اختلطت ببكائه، هل اخذت ترتجف ام فقط خارت قواها واحست بالدنيا تميد بها.. ؟؟

    هل اصطكت اسنانها، هل انهارت وغابت عن الوعي أم هل تجمدت بمكانها.. ؟؟

    هل كان صوتها الذي يستجديهم ان تفهم ما يقال أوتكذب ما تسمع، خالد وبابا علي وسارة..؟؟ كيف وقد خرج بابا علي وسارة وحدهم.. ؟؟

    ولكن الصوت يأتيها نائحا :

    خالد فيه موت، بابا علي فيه موت، ماما سارة فيه موت، كومار فيه موت

    بعيون جاحظة، وريق قد نشف نبعه، وفك تهاوت عظامه، وقلب تتابعت رعشاته ونبضاته وتدفقه و وجيبه يكاد يخلعه من صدرها ماذا يقول.. ؟؟؟ ماذا.. ؟؟

    والسائق يتابع هذيانه، وركبتاها ترتجفان، والأرض تتابع دورانها، وهي لا تستحمل اللحظة أوالواقع أوالحدث.

    وتهرب، وتهرب، وتغيب عن الوعي.

    وللأحداث بقية

      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء أكتوبر 17, 2017 2:19 pm