دعاش

ثقافى إجتماعى


    رواية البحيره الفصل السادس

    شاطر
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 29
    نقاط : 88
    تاريخ التسجيل : 04/04/2010

    رواية البحيره الفصل السادس

    مُساهمة  Admin في الإثنين أبريل 12, 2010 4:11 am

    الأحزان

    انتقل الوالد علي الى رحمة الله.. .. وسارة وخالد والسائق يعانون من اصابات خطيرة ويخضعون لعمليات متفرقة ولم تتبين حالتهم الصحية بعد. عندما وقع الحادث كانت سارة صامتة وهي تحدق في نافذة السيارة ساهمة، كانت تشعر بأن حياتها فراغ صامت، جردت من نشاطها من العمل وأعيدت الى المكتب الذي يعلوه الغبار تحت ادارة رئيس قسم تشفى منها جيدا بلا سبب تعرفه، أم انها لا تفهم ان حركتها التصحيحية أساءت للكثيرين بمفهومهم وأغضبتهم فعلا وجردتهم من صلاحياتهم المطلقة وفوضاهم المصلحية التي لا يعرفون غيرها..؟؟ ان البعض موتورون منها ويحسون بأنها لطمتهم بالتعديلات التي احدثتها اثناء نشاطها في العمل ولم تكتف بذلك بل وصل بها الأمر الى تبليغ شكوى للادعاء العام..؟؟ انها جرأة تصل للوقاحة بنظرهم واستعد الكل لتوجيه لفت نظر اليها من نوع خاص، لطمات من هنا وهناك، بأسلوب ينم عن المضايقة واستباحة شئونها وامورها الخاصة، انها احيانا تشعر بأن لا خصوصية لها فالأضواء الكاشفة تندس حتى في تفكيرها وان ترجمته بصورة خاطئة لانهم لو فكروا بعقلها ومسهم تيار قلبها لما نسوا بشريتهم واستحالوا ذئابا مقنعة.
    كان الوالد علي يسبح ويهلل كعادته، وقال يحث السائق :
    لم يبق عن الصلاة سوى القليل يا كومار، لا تأخرنا عنها
    وفجأة ظهرت سيارة مسرعة في المنعطف الذي على يسارهم حاولت السيارة القادمة في الطريق الآخر الموازي لهم تفاديها ولكنها دخلت فيهم في تصادم مروع.
    كان في تلك السيارة ابنهم خالد بينما كانت السيارة الأخرى التي اعترضت الطريق ولم يصبها ضرر وتابعت طريقها مسرعة بعدما رأت الدمار الذي تسببت به سيارة تخص بعض الشباب الذين كانوا مختلفين مع خالد وأرادوا مضايقته بهذه الطريقة.
    لم تفق وضحة من صدمتها وهي مدفونة وسط افواج النسوة المتوافدات للتعزية ببيت والدها الكبير وقد تنقلت بينهن زوجات اشقائها وبعض نسوة العائلة..
    كانت تريد ان تتجاهل الهمسات..
    ولدهم هو السائق المتهور
    خالته في الأنعاش، وهو أيضا والله يعلم هل يعيش ام لا..؟؟
    هل يدرس او يعمل..؟؟
    ماذا عنه..؟؟
    هذه فرصتهن للشماتة.. للانتقام من ظروفهن التعسة للاحساس بالانتصار ولو على حساب مآسي غيرهن. يلذ لهن الطعن بالآخرين و كشف مآسيهم و نقاط ضعفهم ومشاكلهم، كأنهم مصاصي الدماء، ايحب احدكم أكل لحم أخيه ميتا، للأسف انهم يحبون اكله حيا.. !! ، عندما يجدون شيئا في حياة احدهم ينتشون ويبتسمون بتشفي وتغمر وجوههم الفرحة كأنهم اكتشفوا ما يبهجهم بنقطة ضعف صديقهم.. !! يا لهؤلاء البشر، ان كانوا لا يرحمون غيرهم، فكيف يسألون ربهم الرحمة لانفسهم.. ؟
    لماذا لا يتقون الله بالسلوك وليس بالقول فحسب، ويبتعدون عن نبش اسرار وخصوصيات من حولهم غير آبهين ان كانوا من اهلهم واقاربهم أو جيرانهم أو اصدقاءهم. انهم يتركون للفضول والتهيؤات والاسقاطات تحدد معايير تدخلهم بحياة الآخرين. فهم يسألون ويسألون ولا يدرون بأن هناك مناطق محرمة ليست لان بها ما يخجل وما يسيء بل لانهم لن يفهموها بشكلها الحقيقي ولن يروا الا الظاهر منها، وهل يلمون بكل شيء..؟؟ ولم يعرضوا انفسهم للاثم عندما يكشفوا المستور ويفهمونه حينئذ خطأ ويصدرون الأحكام عليه ظلما .؟؟ لم يوقعوا انفسهم بين براثن مرض اخلاقي شنيع اسمه سوء الظن..؟؟ انه جهل الناس وضعف ايمانهم وسوء وجدانهم واستخفافهم بحياة الآخرين وبحثهم عن الثغرات والبؤر وتلصصهم وارضاء نزعاتهم للشر واشباع كبتهم الموجوع. ان خضوعهم لأزماتهم الخاصة يضللهم ويدخلهم في متاهات الخوض في شئون غيرهم وارتكاب الاثم الأكبر بتسقط عيوبهم.
    حتى عبارات العطف والمواساة التي ترددها تلك النسوة تشعر وضحة بأن بعضها مزيف ومغلف بمشاعر متناقضة، يقولونها من جهة بينما يبدون وكأنهم يحسون بالراحة بأن الزمن ينصفهم وهو يوزع مآسيه هنا وهناك بعيدا عنهم.
    اخذت زيارات المستشفى من وضحة الكثير وهي تجرجر ضميرها المثقل
    هل قتل ابنها اباها.. هل يغفر له جده ويسامحه..؟؟
    وسارة المسكينة الا يكفيها حظها العاثر وخطبتها الفاشلة التي ضربتها بمقتل حتى تتسبب لها يا خالد بهذا المصير.؟؟
    كانت مشاعرها نحو ابنها مملوءة بالغضب.. الغضب العاتي
    هل ضروري ان تأخذ روح جدك معك، وتكاد تتسبب بمقتل خالتك التي لا يدركون للآن حجم اصابتها..؟؟
    والروح البريئة الأخرى لسائقهم الذي امضى خمسة وعشرين عاما في خدمتهم والذي كان محظوظا عندما اصابته رضوضا وبعض الكسور، والذي بتماثله للشفاء مع تحسن حالة سارة واستعادتها لتفاؤلها وتحملها المصاب بايمان تام وطمأنتها لأختها بأنها ارادة الله وعندما اتضحت الخطوط والمعالم للحادث وتبين دور الغوغائيين الذين كانوا يكيدون لخالد بهدف ترويعه ومشاكسته، وعندما مضت ايام العزاء، وعندما خفت فجيعتها بوالدها حينها فقط استيقظت مشاعر أمومتها الحبيسة التي تراكمت عليها نفثات الغضب وتأنيب الضمير والخجل من مصاب الآخرين، حينها انجلى الغبار والتداعيات وخرجت المشاعر الحبيسة واخذت تبكي على ابنها ولم يكن بكاء.. كان نواحا واقرب الى الصياح.. !!
    اغلقت ابواب حجرتها وتركت العنان لحنجرتها لتندب ابنا لم تبكه بعد.. !!
    لقد نجا خالد من تهتكات في ضلوعه وساقيه وذراعه الأيمن واحتاج الى نقل كميات كبيرة من الدم.. الا انه دخل في غيبوبة لم يفق منها ابدا..!!
    واصبح موجودا وغير موجود حاضر الجسد غائب الروح.
    كما قال والده ملتاعا عندما اخبروه بالنبأ المفجع :. الأمر الايجابي اننا نعرف مكانه الآن
    ولكن أي مكان.. !!

    التاسع عشر
    المكتوب على الجبين

    عندما افاقت سارة من العملية بعد الحادث وجدت ابنتي اختها واخيها بجوارها حيث انشغلت امهاتهن وأباؤهن بالعزاء، وقد اتفق الجميع على اخفاء خبر وفاة والدها عنها وكذلك اصابة خالد حتى تتماثل للشفاء وتستوعب الوضع. كل الذي تتذكره سارة من الحادث انهم كانوا يسيرون بهدوء وفجأة كانت سيارة قادمة في الشارع المقابل لهم حينما انحرفت فجأة نحوهم لتتفادى سيارة اخرى انشقت الأرض عنها في المنعطف الآخر للشارع، ووقع تصادم مروع.
    ثم صرخت فجأة كأنها تذكرت امرا : أبوي علي كيف حاله..؟؟ ماذا حدث له..؟؟
    لم تستطع الفتاتان ذوات الأربعة عشر ربيعا الاجابة دون ان يتطلعن الى بعضهن بارتباك ويرددن بكلمات تلقينية : انه بخير، تعب قليلا وهو بخير، انه في المنزل الآن.
    نظرت سارة اليهن بضعف، وقلبها غير مصدق، كانت ستطلب منهن الاتصال بالمنزل ولكنها ترددت لانها خافت أن تكتشف الأمر الذي تخشاه، وفضلت الصمت على مواجهة الحقيقة، فضلت أن تعيش الكذبة لانها غير مستعدة لمواجهة الواقع.
    سألت مرة أخرى : وأين امهاتكن..؟؟
    في بيت أبوي علي. سيأتون في المساء، لقد اخبرونا أن نهاتفهن عندما تفيقين.
    لفتت فاطمة انتباه سارة الى وجود باقة ورد جميلة حملت ورودها الصفراء بهاء ذهبيا انعكس على لون الغرفة الأبيض ومنحه اشراقة متفائلة، تمتمت سارة :
    انها باقة كبيرة حقا.
    بتودد اخبرتها فاطمة : انها من سالم، انه يتصل للاطمئنان عليك منذ الأمس، وقال انه سيزورك عندما تفيقين.
    ابتسمت سارة.. سالم، على الأقل احس اخيرا بأنها فعلا تحتاج اليه، ومثل ما يقول المثل.. القدوم متأخرا، أفضل من عدم المجيء بتاتا. كانت مستعدة لمسامحته على موقفه و هجره و ابتعاده، لا يستطيع الانسان محاسبة غيره على كل شيء، في النهاية انه بشر و يتعرض لتجارب كثيرة و مشاعر متعددة لا تكون واضحة من البداية للجميع.
    تعودت سارة في الأيام التالية على البقاء برفقة البنات اللاتي يأتين اليها على فترات وعلى مجيء وضحة الخاطف للأطمئنان عليها ثم الخروج متعللة بالبقاء الى جوار والدهما وهي تداري انقباضها وحالتها العامة التي تنبأ بروح العزاء، كانت سارة تعلم بأن مكروها حل بوالدهم والجميع مشغولون حتى عن زيارتها، وكانت تتواطأ معهم على الصمت، وتدعهم يدارون عنها الحال لانها تعلم بأن انسكاب احزانها ليس جيدا لوضعها الصحي ، ولانها لا تريد التصديق بأن هناك احزانا أخرى سريعة ما زال يدخرها القدر.
    وكلما سألت واستفسرت كان الجواب
    ابوك علي بخير واخوانك والجميع.. كل احد بخير، فقط اهتمي بنفسك.
    على الرغم من أن سالم اتصل مرة واحدة وهنأها بالسلامة وعرف منها تطورات وضعها الصحي ووعد بزيارتها قريبا ولكنه لم يحضر، ولم تر اخوتها الا بعد ايام مع اسرهم وقد كانوا واجمين نوعا ما، تعبين، مرهقين، كانت تحس بأن الأمور ليست بخير ولكنها لا تريد أن تعرفها وخصوصا والجبس في رجليها والأربطة حولها يشعرانها بالضيق والبؤس، ما بال رجليها الاثنتين مثقلتان بأطنان من الجبس والمسامير والحديد والأربطة، انها اوتاد تشدها الى سريرها وتحكم حصارها.
    بالتدريج بدأت زيارت الأخوة وعائلاتهم تأخذ وضعها الطبيعي وأخذ اطفالهم يملأون المكان ضجة وصراخا وكان عبدالرحمن كعادته اكثرهم تماسكا ومرحا ولكنهم ما زالوا مصممين على عدم اخبارها بوفاة والدها، وقد اوجعهم بأن عليها ايضا تحمل اخبار غير جيدة عنها حيث ان رجليها ليستا على ما يرام والموضوع ليس بكسور وانتظار أن تلتئم فقط، انه اكبر من ذلك والأمر متروك لتقدير الأطباء الذين سيحددون قريبا حجم اصابتها.
    في قمة ضيقها سألت سارة كأنها تتحرش بأخوتها وقد سئمت وضعها الصحي وبدأت تحس بالمخاوف التي تنقلها الأرواح المحيطة بها ونظرات العطف والألم التي تنطق بها وخصوصا وضحة التي انكسرت تماما وكبرت خلال هذه العشرة ايام سنوات عديدة.
    قالت سارة بالحاح وصوت يمتزج بالغضب والبكاء :
    اين ابوي علي.. ليس من المعقول الا يأتي لرؤيتي للان
    قال عبدالرحمن وهو يطرد مخاوفها بلهجة عفوية سريعة :
    لا نريده ان يراك وانت في حالتك وقلبه ضعيف لا يتحمل. شدي حالك وستدخلين عليه وانت في كامل عافيتك.
    ثم غير الموضوع وهو يصفق بيديه لأبنائه يالله طابور واستعدوا للذهاب
    قالت زوجته لا اله الا الله الذي يسمعك يقول عشرة.. كلهم ستة
    قال عبدالرحمن : ومع عيال وضحة لاتنسين انهم سيبيتون عندنا الليلة.. سبحان الله عشرة
    تذكرت سارة ان واحدا ناقصا من اولاد وضحة : وخالد لم اره معكم.. كيف حاله
    حتى لا تخونها دموعها تسابق الجميع للرد عن وضحة
    بخير. لا شيء.. إن شاء الله بخير
    وبقي اثر دمدمات غير مفهومة بددها صراخ عبدالرحمن للجمع بالتحرك حيث ستظل وضحة لدى اختها في المستشفى حيث ستطل من جهة اخرى بين الفينة والأخرى على ابنها المسجى في غرفته بالمستشفى بلا حراك.
    حان موعد معرفة ماذا حل بها وما تأثير العملية وما هي مضاعفات الحادث، ومن رؤية تجهم الأطباء ثم مناقشتهم التي وصلت لحد الجدل لم ترتح وضحة لما تسمع وترى بينما سارة وان كانت مطمئنة وتحمد الله على ما اصابها ولكنها تهيم احيانا بالتفكير، تشعر بالقلق احيانا ولكنها تكبحه باحساسها بغياب والدها وهي لا تصدق ما يقال حولها بأنه يتعافى من رضوض بسيطة وانه لا يقوى على رؤيتها على فراش المرض والجميع يمنعونه من التليفون حتى لا تتأثر مشاعره.
    كانت تحس بأن هناك شيئاً اكبر مختبئاً بين دموع وضحة التي تعجز عن مداراتها، واحساسها بالذنب لمصابها، كانت نادمة لانها دعتهم ذلك اليوم لبيتها، وقالت لها سارة :
    انه القدر.. !!
    وبعد تردد وشعور بالذنب، اخبرتها وضحة كأنها تشي بنفسها :
    لقد اخفينا الأمر عنك ولكن.. هل تدرين من الذي صدمكم..؟؟ سيارة من..؟؟
    خالد.. ابني.
    صدمت سارة بوقع الخبر وليس كما اعتقدت وضحة، بأنه تسبب بالحادث بل لانه ايضا تضرر منه.
    وماذا حدث لخالد. ؟
    بكت وضحة وغطت كفيها بيديها واخذت تنشج بالبكاء.
    لم يكن سهلا على سارة تقبل الخبر ورؤية شقيقتها تنتحب امامها . لقد اخذن يبكين على كل شيء على خالد ووالدهما وحالهما واصابتها وكل مآسي حياتهما، تجمع كل الشقاء لحظتها وكان البكاء الحاد المنطلق من الجوف حادا وبدائيا وغير قابل للتوقف.
    كان صباحا كئيبا بعد ليلة حزن مشوبة بالدموع.
    تذكرت سارة خالد وهو الحفيد الأول لوالديها وكيف كانت فرحة الأسرة به، وكيف كان ملاكها وملكها المتوج حيث كانت براءته وحركاته وكلماته اكسير العائلة، لم يأخذ العمى عيني والدها تماما حينها وكان يستطيع الرؤية فكان يرافقه خالد ذو السنوات الأربع ويضفي على حياته رونقا تراه في حيوية والدها ومرحه. كانت تحبه وساعدت في تربيته حيث كانت تجلس معه اذا احتاجت والدته الذهاب بمشوار ما أو عندما انشغلت بحملها لفاطمة وولادتها، كان عزيزا عليها وجزءا من مراهقتها وشبابها.
    يوما بعد يوم يزداد القلق ولا يوجد ما يؤجل معرفة المصير.
    لا بد أن نعرف حالتها بالضبط يا دكتور..؟؟ ؟
    بعد ان خرج رهط الأطباء لحقتهم وضحة مستفسرة ووجيب قلبها يتعالى والأنقباض يكاد يلجم انفاسها. كانت متوترة ولم تعد ترضى بقدومهم ورحيلهم وعدم مشاركتهم ما يرون لهم.
    لا يبدو الأمر بخير..؟؟ ماذا بها..؟؟
    بضيق قال لها الطبيب وهو غير راضي بالنتيجة
    لن تمشي بعد الآن، هذا ما حصل.. . هناك اصابة بالأعصاب بكلتا الرجلين بنسب متفاوته.
    - هل هناك علاج معين.. . عملية ما، نستطيع أخذها للخارج.!
    - أي عملية لن تستطيع اعادة الأعصاب الميتة.
    مادت الأرض بوضحة وكادت تقع على الأرض ولم تجد ما تتمسك به سوى الجدار الأملس بجوارها.
    وبخيبة امل تجاوزها الطبيب دون مواساة ليلحق بفريقه فقد كان متضايقا بنفسه ولم ترضه النتائج.
    ودارت بها الدنيا :
    لن تمشي سارة مرة اخرى، وابنها اذا لن يفيق مرة اخرى كما أن والدها ذهب بلا عودة.
    كانت وضحة مكانها عندما اخذت تجهش بالبكاء المر، تبكي شقيقتها وابنها ووالدها ونفسها.
    لم تع الا وسالم واقفا امامها يدعوها للنهوض من الأرض التي تداعت عليها لدرجة انها جلست القرفصاء على ارضية المستشفى وهي تبكي، وتكومت داخل نفسها.
    ماذا حدث..؟؟
    وسار معها الى غرفة خالد وباحت له بما سمعت
    كانت الصدمة قوية على سالم بشكل لم يتوقعه اطلاقا
    ماذا تقولين لقد كلمتها هذا الصباح وكانت مستبشرة وتنتظر فك الجبس والعودة للمنزل
    قالت سارة وعينيها منتفختين من بكاء بدأ من اسابيع ولم يتوقف :
    لم تكتشف بأن رجليها ميتة بلا احساس بسبب الجبس الذي تم وضعة للحم العظام المكسورة، وبعد ازالته ستكتشف كل شيء وانها لن تمشي بعد الآن
    تهاوى سالم مذهولا على احد المقاعد، بينما اخذت وضحة تلوم نفسها
    انني السبب الذي صممت وتشاجرت مع والده ليسوق السيارة وساعدته على ذلك لوانني منعته وشددت عليه، لو.. .
    قاطعها سالم يكلم نفسه :
    انت غلطانة، كيف لا تستطيع سارة المشي مستحيل انت تتكلمين عن واحدة اخرى، واحده مختلفة، أنا لا اتصورها سوى تطير ولا تمشي انها لا تطيق الجلوس لحظة، يقتلها الصمت لا بد ان تحدث ضجة تفاعل لا يمكن.. أن يكون حالها كذلك
    بعيون زائغة وقلب مكلوم رددت وضحة :
    انه امر الله.. انه قدر ومكتوب.. لا شيء مستحيلاً والا قتلت نفسي وأنا ارى ابني مسجى لا يتكلم لا يتحرك كالميت.
    وخرج سالم بينما تمالكت وضحة نفسها و اسرعت باللحاق به لتوصيه بألا يخبر سارة، سوف يضيفون هذا السر الى الأسرار الأخرى وفاة والدها و غيبوبة ابن شقيقتها على الأقل يزيحون الستار قليلا قليلا عن المصاعب لتنسيها الواحدة الم الأخرى.
    عندما لحقت به وجدت قد اختفى وسارة وحدها تنتظر وضحة لتخبرها ماذا قال لها الأطباء. واعتقدت وضحة بأن سالم سيتمالك نفسه ويعود، ولكنه ذهب ولم يعد في اليوم التالي اوالأيام التي تليه.

    العشرون
    العجز

    بدأت وضحة في توصيل الأخبار المؤلمة بالتدريج لسارة، ولم تجد صعوبة في اخبارها بأن والدهما قد فارق الحياة في التو واللحظة حيث الضربة كانت في ناحيته بالسيارة، فقد كانت سارة تدري بذلك وتحس به من كلمات الصغار ومن زلات اللسان ومن غياب الوجه المطمئن والدعاء الذي يتغلغل في جنبات السكون. وعندما اخبرها الطبيب بأن عليها زيارة طبيب آخر بعد خروجها من المستشفى وعمل موعد معه في العيادة الصباحية وذلك لان عملهم انتهى هنا، وهناك خلل في رجليها فضمور العصب يتراوح بين السبعين والثمانين في واحدة وبين الثلاثين والأربعين في الأخرى بمنطقة الساقين من الركبتين وحتى القدمين، مما يعني بأنها ستجلس في الكرسي المتحرك طويلا لم يكن تقبلها للأمر جيدا.
    فقد كان صدمة فاقت كل تصوراتها.. لقد انهارت بالفعل وتهاوت قدرتها الدفاعية وتحديها للمصاعب واستسلمت للعجز.
    تخاذلت وتقبلت مصيرها كأنه عقوبة ما ، ولم تحاول التمرد على المرض، البحث عن علاج، ورفض الأسلوب الذي اتبعه الأطباء، وطلب البديل.
    فقط انكمشت مكانها بينما سارة تخبرها عن خالد وكيف هو ليس بالميت أو الحي، يذبل بين ايديهم دون أن يمدوا له ساكنا.
    حال افضل من حال وقضاء احسن من قضاء
    هل سهلا ان يتقبل المرء انه فقد فجأة القدرة على المشي والحركة
    هل سهلا ان يبقى الانسان حبيس كرسي المقعدين
    لا انه ليس سهلا والتعود عليه يحتاج قوة ضخمة وايماناً ثابتاً مبنياً على القناعة والرضى.
    لا بد ان تجري تسوية مع الأقدار تهون عليها مصابها وتجعلها تقبل الواقع
    من جهة عليها الامتنان بأن عمودها الفقري لم يكسر ولم تتهشم رقبتها او بمعنى عام نجت اجهزتها الحيوية وتمت معالجة الخدوش والاصابات الجانبية وكانت العمليات فيها ناجحة بصورة رائعة.
    اعاقتها شكل طبيعي لقوة الحدث ويجب الا يعيقها عن مزاولة الحياة العادية ولتعتبر انها منحت28 عاما لتتمتع بنعمة المشي الطبيعية والآن حان موعد تجربة اخرى عليها خوضها.
    لماذا لا نتوقع انه في يوم ما سنموت اونصاب بعاهة ولماذا نتكلم عن ذلك بالمجاز ونعتقد ان ذلك حقيقة بديهية معروفة ولكن.. وما ان تحدث لنا او لاحد أعزائنا صرخنا.. فجعين.. لماذا يا رب ما زال شابا.. وما زال هناك وقت
    تبدو لنا الأحداث منطقية عندما تحدث للآخرين ولكنها لا تصدق ولا يمكن استيعابها ان حدثت لنا؟؟ هناك فرق كبير بين ما نعرفه وما نستوعبه بالفعل.. ما نوافق عليه وندعي القدرة على مواجهته وبين مواجهته بالفعل.
    هاهي تنهار تماما ولا يمكنها التكيف مع هذه الحقيقة.. ان الحوادث تقع يوميا لآلاف الناس وهذا معروف ولكن ليس لها.. هذا كابوس.. لقد كانت تمشي وتركض وتشعر بهاتين الرجلين منذ اسابيع قليلة فقط والآن فقد فقدتهما الى الأبد..؟؟
    كيف تتصرف.. كأنها ماتت وتمت ولادة شخصية اخرى مكانها.
    المسألة ليست ان الأولى قادرة على المشي والأخرى عاجزة عنه.. بل ان الأولى كان لها طموح بالزواج وانجاب الأطفال والترقي بالعمل والنجاح بالحياة الاجتماعية. وقد كافحت طيلة 28 عاما الماضية على تكوين شخصيتها وذاتها، وكان امامها طيلة الوقت تصور معين لا يتجزأ منها خلق تلك الانسانة التي تجمدت وتفجرت حياتها يوم الحادث ولم تعد كما هي ولن تعود بينما الثانية.. لا يحق لها الزواج ومستحيل ان تنجب و سوف يقدم لها طلب التقاعد فور خروجها من المستشفى لأنها لا تستطيع بهذا الوضع والنفسية على الاستمرار بالعمل. !
    فجأة اصبحت خارج اطار المخطط العام الذي يشكل حياتها.!
    اصبح هذا المخطط خاليا فقد فارقته صاحبته وحلت محلها اخرى.. لا تملك سوى الحمد بأنها حية وتستطيع بالارادة والصبر والمثابرة ان تعيد المخطط الفارغ وتملؤه بصور واحلام جديدة كما قال طبيبها:
    لم تبق الا مواعيد العلاج الطبيعي وتقرر خروجك من المستشفى.
    ولم يعد بيت الأسرة بيت والدها موجودا فسرعان ما دخل في الإرث الذي تم الاستعداد لتوزيعه بين الورثة.. وتم الأتفاق بين اخوتها على اقامتها في بيت شقيقها الكبير على اعتبار ان بيته اكبر.
    وتم تخصيص غرفة لها بالطابق الأسفل وتجهيزها لتكون مهيأة لاستقبال معوقة وتم نقل حاجياتها وملابسها واغراضها حتى الانسانة الجديدة لا تملك اختيار بيتها ولا ترتيب اغراضها.
    ليس لديها اعتراض اوقدرة على المناقشة وهي ترى مصيرها يقرره غيرها بينما يتولون النقاش والخلاف والاختيار بدلا عنها.
    اخرجوها من خانة اصحاب القرار وصناعه وتحولت الى الضحية المريضة التي عليها تقبل وصاية وشروط الأصحاء، لانهم بحكم قدرتهم على الحركة والمشي قادرون ايضا على التقرير واطلاق الأحكام.
    كانت مستسلمة.. تشكر العطف بتقبل العاجز المحطم، وتريد ان تتعافى من جروحها وجبسها تماما وتتدرب على التعامل مع الوجه الآخر للعالم الذي لم تقابله من قبل.
    بين فترة واخرى كانت تستقبل القادمين للتعزية بالمصاب أوالتهنئة بالنجاة.. يملأون الغرفة بالضجيج والورود والحلويات، وعندما يرحلون.. يبقى الفراغ موجودا يحتاج لمن يملؤه بالقوة والحكمة والتحمل.
    ياالله ما كانت تحذرها أمها منه قد حل.. !! هذا هي بدون بيت وبدون عائلة خاصة بها وحدها، تحت رحمة كما كما كانت امها يرحمها الله تقول.. زوجة اخيها.. !!
    كان اختفاء سالم مشينا بينما سارة في هذه الظروف، وقد استاء اخوتها منه لدرجة انهم تقبلوا في البداية حضوره للعزاء في والدهم وتماسكوا عن سؤاله سبب اختفائه المدة الماضية وعدم تبريره لتأجيل زواجه أو بالأحرى تصدده عن الكلام بالموضوع مما يشي بعدم احترامهم وتقديرهم. ليعود مرة اخرى للأختفاء والتسلل من المستشفى عندما علم بحالتها الصحية.
    _ انه بلا قلب، بل انه نذل ليتصرف هكذا، كيف يتخلى عنها بهذه السهولة ويفر من المسئولية بلا أدنى حرج.
    كانت وضحة حانقة اكثر من الجميع لانه جاء خاطبا عن طريق زوجها، ولانها لم تترك لسارة متنفسا للتفكير بأي رأي أو مراجعة لموقف بل ضغطت عليها نوعا ما لتقبل وكانت توصيها دائما بأن تغفر وتنسى وتتغاضى عن أي هفوات، فالزواج تنازل وتسوية وتسامح. وبعد كل صبرهم عليه وتجاوزهم لعثراته يتجاوزها ويرحل بدون حتى أن ينظر خلفه ويهتم لأمرها.. !!
    كانت تفرغ ما بداخلها عندما يأتي أحد على ذكره بينما تقول ساره عندما يذكره أحد:
    الحمدلله ان الأمور ظهرت من البداية، لقد كان من قبل الحادث وهو يناور، شيء في داخلي يقول ان ذلك في صالحي رغم بشاعة تصرفه. لم نخلق لبعض فنحن مختلفان وتزداد تناقضاتنا مع الوقت. ان ما يجرحني ليس تركي بل اسلوب هذا الترك.. !! لم لم يصارحني برغبته بالانفصال ولن اغصبه على البقاء..؟؟ لم لم يحرر وعده برجولة وشجاعة.. ؟ ولم اختار الهرب لو صارحني بالانفصال كنت سأحترمه لانه احترمني و نفترق كأخوة وأهل.
    لقد اشعرها بهذا النبذ بنقصها، بمرضها، بعاهتها، بوحدتها، احست كأنها طفل يتخلى عنه ابويه، انه لن يلوم ابويه لعدم انسانيتهما وأنانيتهما ووحشيتهما بل سيلوم نفسه وسيعتقد بأنه طفل كريه لدرجة ان اهله لم يرغبوا بالاحتفاظ به.
    لو فيه خير ما رماه الطير.
    تتذكر المثل وتزداد بؤسا وكآبة، لم يكن اول من يفرط بها، ها هم في العمل استغنوا عنها ولم تشفع لها سنوات خدمتها ومشاريعها الطموحة واحلامها العريضة.. كل ذهب وبقيت مكانها.
    بعد ان خلع الجميع رداء العزاء على والدهم البسوها اياه ولم تخلعه.
    لم يكن تقبل واقعها الجديد سهلا انه اسوأ مما يمكن تخيله. هكذا انهارت سارة واعتقدت انها النهاية حينها..
    عندما اصابتها الكآبة بعد الحادثة وهيضت كل شجونها ومتاعبها والبستها ثوب الشجن والأحزان.. احست بأنها تتفهم من يقدمون على الأنتحار لا شيء يشدهم للحياة. تعيش لأجل ماذا..؟؟ لا بهجة، لا متعة، لا مستقبل، وقد فقدت ما يملأها بالقدرة على فتح عينيها كل صباح والنهوض من الفراش.
    انه احساس بفقد الانتماء للدنيا وبخوائها وبشاعتها.. هو احساس بالألم من مواصلة العيش.
    ألهذا هي فريسة للقلق والهواجس. لأنها تقع باستسلام مذعور في فخها ولا تحاول المقاومة ولا تملك الأيمان الكافي بعدم حدوث ما تخشى. ؟ ولكن هناك دائما بصيصاً من نور.. فكثيرا ما تيأس من امرا ما بشكل مطلق وصارم لتكتشف بعد حين انها كانت تبالغ بقلقها وتزول الغمة ببساطة كانها لم تكن. في البداية لم تعتقد انها ستستعيد سلامة وجهها وبهاءه بعد الحادث واعتقدت ان الرضوض والخدوش ستترك آثارها عليه الى الأبد. ظلت مقتنعة بذلك بعناد شرس ونفسية محبطة تميل الى السوداوية واطلاق الأحكام المطلقة والركون الى الاستسلام والانهيار ثم شفت وتجددت وكأن جروحها لم تكن.
    ان افتراضها اسوأ النتائج وتوقفها عند ذلك هو مشكلتها.. لا تعرف الا اسوأ التوقعات وتصديقها ربما عليها التوقف عن التمادي بالتفكير ولكن كيف وما هي الوسيلة.؟؟
    باتت تعرف ان الايمان الحقيقي بالله لا يعني الصلاة والصيام وخوف الله وطاعته واداء فروضه فحسب.. بل امتلاك قدرة عجيبة سحرية أخاذة اسمها الايمان بوجوده ورحمته ومعجزاته ونصره ومساعدته وتغييره للحال للأفضل. تؤمن بالروح المقاتلة بأمل وعدم الأستسلام والرضا بالهزيمة.. تؤمن بالمحاولة تلو الأخرى والتحلي بالشجاعة للمجازفة والتغيير. رفض العجز ومحاربته وعدم السماح له بالانتصار.. بل مماحكته والأستهانة به. لم لا تستطيع ان تكون اقوى من هذا الكرسي ذي العجلات وهذه العصيات الحديدية؟؟ لم لا تكون اكثر مكرا من الاصابة وتهزمها بالاستهانة بها ولم تغمر حياتها بالكآبة والسوداوية..؟؟

    الواحد والعشرون
    القلب لا يخبر الخير

    كانت وضحة تريد دفع الأيام للتحرك.. تريد استهلاكها بسرعة، تريد ان تنفض الرزنامة اوراقها وتتساقط الأيام والتواريخ عنها كما تتساقط اوراق الشجر
    تريد للأيام ان تمضي وتسرع بالأنطواء
    هل غريب هذا الأحساس.. تمني ان يمضي العمر بسرعة
    لمذا تريد ان تطوي الأيام كبساط طويل ممدود الى ما لانهاية وتريد اعادة لفه..؟؟ هل تريد ان تكتشف الى ما يقود..؟؟
    ام انها تريد انهاء مهمتها و تنفيذ كل المقدر عليها وعدم الانتظار.. الانها لا تطيق الانتظار، أم لأنه لا يوجد ما تتمسك به وتتمنى ألا تنقضي اوقاته من متعه وروعه..؟؟ أهي عادتها بضرورة انهاء المهمة المكلفة بها وعدم الراحة دون اكمالها.. هل هو التوتر الملازم لها والذي ازدادت حدته مع الأيام..؟؟ هل هو مرض خالد الطويل.. والرغبة في كسر ترقب الشفاء وعدم القدرة على المزيد من الانتظار..؟؟ لقد كان يملأ حياتها بالخوف والآن تعاني خواء المرارة والخيبة.
    ام هو الدخول في مرحلة البحث عن كينونة الحياة.. البحث عن نفسها.. البحث عن معنى جديد للوجود وقد كبر الأبناء واصبح لهم عالمهم الخاص وشخصياتهم المميزة ورفض تدخل والديهم فيها، وقضاءهم معظم الوقت بعيدا عنها في مدارسهم او غرفهم او مع اصدقائهم وفي بيت اخوالهم، وانفراد زوجها في وحدته وقضائه معظم الوقت في العزبة التي يرعى بنفسه مع خدمه نخيلها واشجارها وحيواناتها مبتعدا عن ضجيج الأولاد والمدينة والناس.. !!
    لا تدري سوى ان دقات الساعة الرتيبة انتقلت الى رأسها واعصابها وباتت تحس بها في عروقها.. تك.. تك.. تك..
    انها تعلم ان كل شيء بأوانه.. الأمور تحدث في وقتها المناسب المكتوب لها
    انه جزء من ايمانها العميق بالقدرية
    ما يحدث لنا يحدث في وقت معلوم لا قبله ولابعده
    لا يفيد الاستعجال ولا الدفع ولا فرض الاحداث والتسريع بها
    لن تحدث الأمور الا في ميعادها الموقوت
    تعلم كل ذلك ولكن لا تستطيع ببشريتها التوقف عنده وعدم السعي للاسراع به، لا تستطيع الشعور بالرضا التام عن كل شيء حولها والاطمئنان والاستقرار والنوم قريرة العين.. ان ذلك ليس من صفاتها.
    ان هناك جلبة داخلية تضج بها اعماقها.. شعور بالفزع داخلها يصيبها بالتشنج كلما بحثت عن الهدوء والدعة. تحملها المسئولية ومحاولتها التستر على كل الأمور التي يمكن ان يسببها الأولاد والخدم وتثير توتر زوجها وعصبيته الجهنمية، يكفي انه ما زال يلسعها بين فترة واخرى بسياط اللوم على نصيب خالد، وينتقد زياراتها الطويلة له في المستشفى :
    الآن فقط عرفت ان لك ابناً تضيعين النهار كله في المستشفى معه.. عندما كان موجودا.. لم لم تلزميه بالمنزل ما دمت تحبين رفقته.. انظري لمصيره.. انظري لتربيتك، نساء خفيفات العقل لديهم ابناء عقلاء صالحون، وانت.. هذه تربيتك
    كان صوتا يصرخ في اعماقها يريد أن يرد عليه مؤنبا.. وانت..؟؟ اين كنت من حياة ابنك..؟؟ ولم لم تتواجد فيها..؟؟ لم لم تصادقه وتدخل حياته بدلا ان تبعده بالخوف والعصبية وتنفره منك وتدفعه الى الهرب للخارج..؟؟
    لكن صوتها كان محبوسا ومذبوحا تشعر به يتقلص من الألم.. !!
    كانت زياراتها اليومية لخالد ضرورية له مع دخوله في غيبوبته الطويله، لانهم اخبروها بالمستشفى بأنه يشعر بذبذبات الأرواح من حوله، لذلك تزوره و تقنع احيانا اخوته بزيارته للحديث معه ومخاطبته والتكلم عن أي امر يحلو لهم.
    كانت تحس بالراحة النفسية بعد كل زيارة تقوم بها، عندما تحدثه كانت تكلم نفسها معه، وتفهم امورا عنها وعنه وعن حياتهم، كانت تذكره بطفولته وكيف عندما حملت به كانت بدون وعي منها لا تثق بقدرتها على انجاب طفل حقيقي. فكانت خائفة من التجربة، ومن الكائن الذي تحمله في بطنها. كانت صغيرة السن عندما تزوجت وحملت ولم تدرك بأن الامومة صنع الهي لا تستطيع تفسيره.
    وعندما جاء الى النور ووضعته الممرضات بين ذراعيها لم تصدق ما تراه.. لم ترى ابدا طفلا في جماله..! عيناه السوداويتان ورموشه الطويلة وشعره الأسود الناعم المنسدل على وجهه وبشرته البيضاء المضيئة. هل كان ملاكا بين يديها، لم تسمح لأحد بمسه بعدها.. !! لقد تحولت الى جارية في بلاطه.. !! كان مركز الكون لديها، الآمر الناهي.. !!!
    ولم تكن هذه ميزته الوحيدة بل كانت الأولى حيث كان ذكيا بشكل لا يصدق.. !! يسبق عمره وربما هذه مشكلته، انه نضج قبل الأوان وفي المرحلة الاعدادية اعتقد انه كبر وفي الثانوية قرر انه رجل عليه العمل وعدم تضييع وقته بالدراسة..!!
    كانت تكلمه وتخبره عن الطرائف الجميلة في طفولته عندما كان في الرابعة من عمره وقد قررت جدته ذبح حمامة مصابة وجدوها في حوشهم، لقد جعل امه تكتب رسالة الى جدته تقول : لماذا ذبحتم الحمامة..؟؟ وما زال حنونا عطوفا على الحيوانات. انها تتذكر القطط والكلاب المصابة التي يصادفها في الحي ويحضرها لهم ويجبرهم على تمريضها واطعامها بينما لا يتفرغ لها ولا تطيق هي وخدمها مجالسة الحيوانات وتخاف على اطفالها الآخرين منها لانها قد تكون مريضة أوما شابه.
    تظل تحدثه بالساعات، تبكي احيانا، وتضحك احيانا، وتلوم نفسها احايين اخرى، ولكنها تظل تتحدث وتتساءل وتفكر وتنظر اليه ويتقطع قلبها وهي لا تستطيع اطعامه أو رحمته من قسوة الأسلاك المعلقه حوله. كانت تقول للقدر :
    انه ما زال طفلا مراهقا بسنواته السابعة عشرة، ما زال غضا يتصرف بحماقة لصغر سنه ولا يستحق ان يقضي عمره وشبابه مغيبا بسبب رعونة صبية وطيش مراهقة. انه ثمن أفدح مما يستحق وعقوبة أكبر من المفروض. انه اسئصال لمراحل من حياته وطيها بلا رحمة. لم يكن سوى طيشا ولكن الثمن فادح.!
    لم يكن احمد يخرج كثيرا ولا يطيق الزيارات الاجتماعية أوقعدات المجالس ويعشق خلوته الخاصة وعالمه المثالي الذي يتناغم معه ولا يعرضه للاحتكاك بالآخرين. وكانت زياراته نادرة لخالد لانه لا يشعر بتغيير بوضعه ولانه مطمئن لقيام والدته بالواجب وأكثر.
    لذلك فوجئت وضحة بدخوله المستشفى عليهما ذلك الضحى وكانت كعادتها جالسة بجوار خالد على السرير ممسكة بيده المسجاة بلا حراك تمسدها وتحكي له وتحكي بصوت هادىء يمتزج احيانا بالمرح او الحزن المشوبين معا باللوعة.
    دخل احمد وتأثر من منظرهما، وآلمه غياب ابنه الذي طال والذي لا يعرف احد غير الله مداه، التقت نظراته بوضحة التي تنهدت كأنها تقول : هناك امور ليست بيد الانسان ولا يملك لها حولاً ولا قوة.
    كأنها جلسة عزاء ادارها القدر بلا ترتيب سحب احمد كرسيا وجلس عليه قبالتهما، وساد صمت معبر لو كانت المشاعر تتكلم لفجع المستشفى من قوتها ولو كان قلباهما يتكلمان لدوت صرخة مدوية تحمل حرقة والدين فجعا بابنهما البكر الذي ارتشفا معه طفولته المزهرة وحكاياته العذبة ومقالبه الطريفة وقاسيا بدون رحمة لسلسلة من العذاب والقلق والحيرة.
    وانحدرت دمعة حاول احمد مداراتها، وغصت وضحة بأسى:
    انها المرة الثانية التي ترى دموع احمد وكانت الأولى بعد وفاة والدته، هل هناك ما يعاني منه خالد.؟؟ هل استدعوه المستشفى..؟؟ هل خالد يعاني من مضاعفات ما..؟؟

    وللأحداث بقية

      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء ديسمبر 12, 2017 2:29 pm