دعاش

ثقافى إجتماعى


    رواية البحيره الفصل السابع

    شاطر
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 29
    نقاط : 88
    تاريخ التسجيل : 04/04/2010

    رواية البحيره الفصل السابع

    مُساهمة  Admin في الإثنين أبريل 12, 2010 4:16 am

    الهوة

    لم تتغير حالة خالد الصحية و إن كانت تعرضت لانتكاسات بين الفترة الأخرى ولكن إيمان وضحة بالله يقوي عزمها وخصوصا وذلك الإحساس الذي يخامرها ويمدها بالأمن والسلام يهون عليها ويبشرها بأن الله موجود ويرعاه بوسائل لا يتبينها البشر.
    وكانت سارة قد امضت ستة اشهر في بيت ( عبدالرحمن )، بدأت حالتها النفسية تسوء بالتدريج وخصوصا وقد بدأت تستوعب بأن وضعها الصحي كعاجزة قد يطول كل عمرها وعليها تقبل الأمر والعيش فيه. كانت كوابيس حياتها الماضية تنقض عليها مشحونة بالغضب من أناس ادانوها بلا سبب مفهوم. والبسوها رداء الشعور بالمهانة والضعة والدونية لجريمة تريدهم ان يفسروها لها..؟؟
    قذفوها في قفص الذنب.. دون ان يبينوا لها ما هو بشريعتهم ومفهومهم لعلها تتفهمهم وتعطيهم مبررا لذلك العدوان والتآمر والدسائس.
    ما اقسى ان يدفع الإنسان لشبكة التعذيب مع ايهامه بأنه اقترف ما يستحق ذلك، ويترك وهو يتخبط.. باحثا بصدق عما اقترفه..؟؟ هل هناك جريمة ابشع من اقناع الإنسان بأنه مخطئ ويستحق العقاب ويحاسب ويحاكم وهو لا يدري ما هي جريمته بالفعل..؟؟
    لم تكن تعرف انها كانت قاسية على نفسها الا عندما بدأت تمرض. كانت اعراضها غريبة تقلصات تظهر واضحة على رجليها. العروق تبرز وتتضخم وتتصلب وتشعر كأنها تشنجات تحكم على ساقيها بمزيد من العجز والتهالك.
    لم تكن تعلم بأن توترها وضيقها ينعكس على صحتها ايضا. لم تعتقد بأن الحزن عندما يكبر ويتشعب ويسكن النفس، وإن الإنسان عندما يفقد الأمل ويستسلم لمشاكله ولا يقاومها يكون عرضة للأمراض المرتدة. لم تكن تدرك انها استسلمت للظروف، وكم عاقبت نفسها دون ان تدري.. أوتراها تدري..؟؟ ولكن لِم تجاهلت عذابها وتركته يسيطر ويضغط عليها..؟؟ إنها في الواقع عاقبت نفسها لأنها شكت فيها والكل ضدها لا يمكن ان تكون وحدها على صواب وكل الآخرين الذين ضدها مخطئون..!! لقد كرهت نفسها ولامتها وحملتها سبب هذه العزلة التي تعيشها والتي لا تدري هل هي التي ابعدت الناس عن عالمها ام هم من ابتعدوا عنها..؟؟ لا اهمية لكونها محقة في ما فعلت او انها بالغت اواخطأت في ردود افعالها وتصوراتها وظنونها، النتيجة واحدة أنها وحيدة ولا يمكن ان ينجح الأداء بدون متفرجين..!! كيف تعرف الصدى إذا كانت في كهف مهجور مظلم لا يصلها سوى صوتها المشروخ..؟؟
    ان المعاملة العجيبة التي احاطتها بالعمل تريد معاقبتها ومطاردتها بسبب ما تجرأت على كشفه وإزالة اللثام عنه، وإن تهجم العيون النهمة والألسنة المتحذلقة حطمت اعصابها وفصلتها عن المحيط الإنساني بما فيه الكفاية. اصبحت في حجرة متعددة المرايا تشاهد ملايين الصور المنعكسة عليها لصورة واحدة تشوهت بفعل التردد والانعكاس المتناسخ. اصبحت لا تعرف ما يحدث وكيف يحدث ومن معها ومن ضدها. وهم كثر يتناسلون فاتحين افواههم يترصدون ردود افعالها، منقبين عن فواتح للشهية يتناقلونها عنها دون رحمة بأزمتها ووضعها المتأرجح بين غيوم الخيبة والفجيعة..!! لم تعرف لم يخر الأحباب من بين اصابعها وقد ملئوا المحيط كله سابقا وكانوا كل عالمها. لم تكن تعرف كيف تفسر التحول في المعاني الذي قلب الصفحات واحال النهار المشرق الى ظلام والبيت المضاء الى سراب.
    لم يكن هناك اشارة الى ان عريسها الذي حدد موعد زفافهما وتم تصميم بطاقات العرس وتطريز ثوب الزفاف سيتركها بدون احساس بالذنب ودون اقامة مأتم وندب الخدود. لم تكن هناك رحمة لتنتزع من معملها وترمى في مكتب ملئ بالغبار والأرفف لتتابع الأرشفة والجدولة ويجف نبع عطائها وسجل ابحاثها. لم يكن هناك رأفة ومواساة عندما صدمتها سيارة ابن شقيقتها وخطفت المنون روح والدها في حادث مروع شوه رجليها وقتل بذرة الأمل في اعماق شقيقتها حزنا على ابنها المغيب. لم تكن هناك بوادر الى انها ستغادر بيت طفولتها ليس الى بيت الزوجية المنتظر بل الى بيت شقيقها ضيفة دائمة في بيت لن يكون يوما بيتها..!! وهل هناك بلسم يشفي تداعيات الغربة التي اصابها الخرس ولم تعد تسمع اصوات الأحبة، وابتليت بالعمى ولم تعد ترى صورهم واشكالهم، وهل هناك اقسى من عويل الحنين في القلب الدامي وهو يشتط به الخيال هناك حيث الدفء والشمس ورائحة الطفولة والأهل.. هل هناك بصيص نور يوضح لها من كانت ومن تكون..؟؟ لا تريد ان تكون التي تركها خطيبها، لا تريد ان ترمى في دائرة النبذ.
    إنه شعور مؤلم.. ووضع بائس لابد ان يدعو للشفقة ويبعث على الإحساس بالدونية والخذلان
    لذلك.. لم تغفر لسالم ابدا. لم تغفر له ما فعله بها..
    لأنه كان المعول الأساسي الذي اكمل تحطيمها بعد استفزازات العمل ومأساة الحادث والذي نجح في كسرها وزعزعتها وهز ثقتها بنفسها، واجاد تشويه احاسيسها، وتحويل الأمنيات الجميلة الى كذبة على الأقل بالنسبة اليها.. لا تصدق ان يحبها رجل يوما ما بإخلاص.. فما حدث لها يقض مضجعها ويفقد الصورة الرومانسية لمعانيها.
    ان انتهاء علاقة صادقة حدث لا يمكن تجاوزه بسهولة ويسر بل إنه ينسف حياة الإنسان ويزلزلها، وهذا ماحدث لها.. لم تعد كما كانت ولن تعود. لقد اطفأت النجوم المتلألئة داخلها وتشوهت شفافيتها وطلاقتها وارتدى الإخلاص والحب رداء اسود من التقلب ورياح التغيير.
    لا شيء سوى انها وقعت بدون حذر وربما باستسلام وخدر في هوة عميقة اخذت تدور وتدور بها وهي لاتقاوم بل بالعكس تمارس التعذيب بشكل مضاعف.. تقسوعلى نفسها كأنها تهيؤها للعذاب المنتظر او كأنها تخاف ان تتفاجأ بآلام قادمة فتستبق الأحداث وتدمي نفسها بالحزن والقنوط واليأس وتسد نوافذ الفرح وتتربسها بحيث فقدت شهية مشاركة الآخرين لسعادتهم لأنها باتت تتألم وتكاد تختنق بالوحدة والاكتئاب.
    لم تتوقع ان يخذلها سالم وأن يتركها فجأة ليس بالموت وكان ارحم ولكن بنذالة وجبن وانانية..!! يا ليتها فهمت موقفه من البداية ولكنها لم تفهم لأنها لم تصدق ولم تتصور..!! فقد عقلها التركيز وتشوش وانفجر.. لا شيء امامها ينير الطريق..!! انها سكتت على هجره وحقده ولم تواجهه بغضب بل بانكسار وخجل، كأنها المذنبة كما تفعل المرأة عندما تغتصب.. إنها لا تشتكي المعتدي ولكن تذوب بعارها وكأنها شريكة الجريمة وهي الضحية..!!
    انها لم تناقش حتى الموضوع مع اسرتها.. احست بأنها خذلتهم عندما نبذها خطيبها، وانها لم تنجح في بناء اسرة سعيدة، لم تقل ابدا انه السبب وانه التعيس وانه وانه.. بل خرست وصمتت ولم تشتكي ولم تنبذ حظها العاثر لم تفعل سوى ان سكتت وابتعدت وخزنت مشاعرها في اعماقها وتمادت وادعت بأنه لم يحدث شيء ذو قيمة. ولم يكن بيدها الا ان تكون متماسكة امام اخوتها فكانت تشعر انها مدينة لهم بتفسير يقدمونه لزوجاتهم ومحيطهم فهم هنا لا يمثلون انفسهم بقدر الآخرين او هل انها فقط لم تشعر بأنهم سيهبونها الحنان او يهبوا لمواساتها إذا ما شكت لهم وخففت لديهم متاعبها..؟؟ لا تدري هل ظلمتهم ام ظلمت نفسها ام فعلت الصواب..!! كل ذلك التماسك الغريب وذلك الإنكار والصلابة كانوا ضدها.. ضد احتياجاتها كإنسانة.. لا بد ان تشكي وتتألم وتطلب المساعدة والحنان من اسرتها.
    وتصرفت كأنها لم تفقد جوهر حياتها ورونق وجودها وذاكرتها النابضة وآمالها العريضة. انها اكتفت بأن جرحه قد طغى على كل المشاعر وهجره احرق كل الجسور وقسوته اذابت كل التوقعات..!!!
    عندما تتذكر شيئا عنه وتريد اخبار اختها لمجرد التفريغ قليلا ما بداخلها، لمجرد الشكوى والتنفيس عن الغضب العاتي داخلها كانت وضحة تغير الموضوع وترد باقتضاب غير سامحة لها بأن تنفس شيئا عما يعتمل داخلها، لم تكن تحاسب.. كانت فقط تتكلم..!!
    كانت لا تريد إن تثقل على اختها من جهة اخرى فهي تغوص في ازمة بدأت تفصلها عمن حولها.. كانت تؤنب نفسها بنفسها وتلومها وتحملها مسئولية ما اصاب خالد، ولم تكن في وضع يؤهلها ان تتحمل معاناة شخص آخر.
    اضطرت ان تبلع المها وان تمثل بأن شيئا لم يحدث، ولم يكن هذا طبيعيا..!!
    ومتى كان الذي حدث لها طبيعيا..؟؟
    كانت في صدمة مروعة افقدتها توازنها ففي عز صراعها في العمل وهي بين اتون الحساد والمغرضين وهي تصارع انياب الحيتان الدامية تنهشها وتتنازعها يتخلى عنها رجلها وسندها بأسلوب غير مفهوم ويتركها ضائعة وحيدة في صحراء متربة بلا تضاريس ولا ملامح..!!
    لقد عانت من الضباب يلفها وتلاطمتها الحيرة وانقضت عليها الوحدة والوحشة والمخاوف من كل صوب.
    لقد دفنت الموضوع كله في اعماقها وتداعيات الحادث ترسبه للداخل اكثر واكثر.. كان داخلها يمور ويتعذب يغضب ويتألم ولكنها تدعي ان كل شيء على ما يرام بينما لم يكن شيئا واحدا يسير بشكله الطبيعي..!! لقد فقدت في وقت قصير عملها ونجاحها وطموحها وخطيبها ورجليها ووالدها وبيت اسرتها واملها في حياة طبيعية بل فقدت كل رغبة في الحياة نفسها ولم يعد هناك شيء يدفعها للتمسك به، لا يوجد ما يبهجها لتتوقف عنده وتتمنى ان تحيا يوما آخر من اجله. فقدت الوهج الذي يشدها للحياة ويجعلها تناضل لتبقى حية والذي يجعل قلبها ينبض بسرعة وروحها تنتعش وانفاسها تتلاحق ويملأ محيطها ويمتد للكون كله.
    كانت تشعر بأنها تسير في طريق الهذيان والجنون، ليست حياة التي تعيشها والتي اخذت تغلق عليها الترابيس وتفصلها عن الآخرين وهم موجودون معها وتبعدهم عنها لأنها لا تتكلم عن مشاعرها معهم ولا تسمح لهم بالولوج الى عالمها. وكانت فاطمة زوجة عبدالرحمن تعاملها كضيفة ببيتهم وتوصي اولادها بالهدوء والكياسة وهذا ما كان يزيد الم سارة بأنها تحت مظلة المجاملة. كأنهم يضعون ستارا بينها وبينهم، هذا لها وهذا لهم مع إنهم يخصونها بالتكريم ولكنها ما زالت تحت إطار الضيافة. كان داخلها يموج بأفكارها.. بمتاعبها.. بألمها بصراخها بحيرتها وما كانت تخنقه داخلها يرتد عليها بشكل ارق وعدم قدرة على التعايش بسلام ومشاركة الآخرين حياة قد تخفف من اوجاعها.
    كانت روحها تعبة ومرهقة ومحملة بعواصف وانواء وغضب وانكسار وتناقضات لا يقوى على حملها جسد تعرض لحادث اليم وروح طعنت من اقرب الناس.
    كان القرآن الكريم ملاذها منذ الحادث، بين آياته التي تسجلها في دفتر مخصص لذلك كانت تتذوق الحكمة والأمان وتسكب العلاج وتعويذة الصبر على روحها المعذبة، كانت تجد اجوبة اسئلتها الحائرة بين طيات الكتاب المبهر المعجز العظيم الذي يزلزل كيانها ويعيد بناءه من جديد، كانت الكلمات تضيء سراديب نفسها المظلمة، وتريها افقا لا تراه العين المجردة وعالما لا تتحسسه الجوارح المادية. كانت الأنوار الإلهية تنتشلها بين جناحي الطمأنينة والسلام والإيمان، هناك إله يسمعنا لذلك لا حاجة لنسأل الآخرين وهناك قدرة تشملنا بمحيطها فعلينا الا نخاف ولا نخشى سواه. كل الذي يصيبنا من رذاذ ما هو الا مجرد اذى لا يمس الجوهر لإن من يملكه هو سبحانه وتعالى، وعسى ان تكرهوا شيئا وهو خير لكم وبالعكس.
    كانت الروحانية الشفافة التي تحيطها تحميها وتهبها الطمأنينة التي فقدتها وتربط على قلبها وتمنحه الأمن والدعة. واحست برغبة عارمة في الذهاب الى الديار المقدسة الى مكة المكرمة والمدينة المنورة برحلة عمرة لأول مرة في حياتها. رغبة روحية شديدة للتزود بالزاد الروحي والدعاء هناك في ذلك المكان الطاهر.
    رغم إن وضحة قد حجت واعتمرت مرتين في حياة والديها الا إنها كانت بحاجة لتغسل تعبها وهمها وتطلب لابنها الشفاء فقد ايدت سارة وإن شاركت عبدالرحمن مخاوفه بخطر ذلك عليها وهي بحالتها الصحية الراهنة. ولكن سارة لم تجد بأسا بذلك وسألتهم لو أن سيدة مسنة تريد العمرة فهل ترفضون طلبها..؟؟

    الثالث والعشرين
    نور السماء

    واستجاب شقيقها لرغبتهما وطاروا بداية الى المدينة المنورة وعندما وصل التاكسي مساء الى الفندق القريب من المسجد النبوي انبهرت اعينهم من جلال المسجد العظيم وهو يتحول الى نهار مضيء بقبابه وضيائه وانواره وساحاته وباحاته المقدسة البيضاء. كانت الأضواء الساطعة تخلب اللب وتخلع القلب رهبة وخشية وتبعث الرجفة في الأفئدة المؤمنة.
    في الفجر والأذان يوقظهما هاتفت وضحة شقيقها تخبره بأنهما نازلتان بعد قليل للحاق بصلاة الفجر في المسجد النبوي. وهناك عندما تذكرت ان تختم صلاتها بالدعاء لله بأن يكون معها وان يمدها بالصبر والبصيرة وان يبعد عنها الأخطار، احست براحة لم تكن تحظى بها من قبل، احست فجأة بأن الله معها ويسمع دعاءها وانها ليست وحدها.. ! كيف تكون وحدها إذا كانت تؤمن بأن الله موجود وإذا كان موجودا فهو يعلم بكل شيء ويعرف كل شيء ولا يغفل شيئاً، فما دام هناك الله يستمع الى نجواها فكيف تفكر وتقلق وهل هناك افضل منه سبحانه تسعى لتوصيل شكواها اليه. وهل خاب من آمن بالله وتوكل عليه..؟؟ وهل تستهين بقدرة الراحة النفسية التي لو حظيت بها بالفعل فستتمكن من رفع معنوياتها ومدها بالأمل والثقة والقوة.
    وقبل صلاة الظهر بوقت كاف عادوا مرة اخرى لقراءة القرآن.. وبعد الصلاة ارادوا الاقتراب من الروضة الخضراء عند قبر الرسول للصلاة والدعاء.
    وسط الزحام وتدافع النسوة وجدن مكانا مناسبا للصلاة وكان شعورا جبارا يطغى عليهن بينما كانت دموع وضحة تنهمر وتنهمر.. كانت ترتجف وهي تصلي وتدعو
    لقد كانت في عالم آخر كانت تخاطب النبي (صلى الله عليه وسلم).. يا حبيب الله.. .المصطفى.. اغفر لي انني لم اشعر بك ومكانتك العظيمة من قبل ولم ادرك لم انت حبيب الله
    انني اشعر بك وبعظمتك اشعر بوجودك حاضرا تسمعني الآن وأكاد اقسم بذلك.. اشعر بعظمتك وجلالك تهيمنان على المكان وتتملكني فاغفر جهلي وسامحني
    وارجوك ان تكون شفيعي عند ربك ارجوك ان تكون شفيعي عند ربك ارجوك ان تكون شفيعي عند ربك
    يارب مغفرتك ورضوانك وعفوك
    يارب تشفي ابني من غمامة الموت والعجز وتعيده بقدرتك يا الهي صحيحا معافى
    يارب تغفر له وتهديه وتجعله بقدرتك سبحانك من عبيدك المخلصين التائبين
    يارب عفوك وغفرانك
    يارب.. يارب
    يا الهي.. يا ملحم القلوب المتصدعة والنفوس المشروخة المهشمة.. يا معيد الخلق ومجبر النفوس المكسورة ومجير الخائفين والمذعورين اكشف عنا الغمامة وطهر صدورنا ويسر امورنا
    كانت رحلتهم ليومين فقط في المدينة المنورة ثم تابعوا الرحلة بسيارة الى مكة المكرمة.
    لم تشبع سارة من المدينة البيضاء بمسجدها وبنائه العريض واعمدته وحمائمها المسالمة التي تملأ المكان المقدس. احست بأنها تنتزع من هذا المكان المريح الذي يحمل كل سلام العالم بين جنباته. لكن برنامج الرحلة وحجز مكة المكرمة والتزامات مرافقيها اجبرتها على مغادرة هذا المكان الذي تعلم ان قلب شقيقتها تعلق به ايضا. ففي داخلها هي ايضا الكثير من الشجن لتسكبه في المسجد النبوي وكانت هناك مناجاة لم تكتمل كانت تود البوح بها لنبي الله (صلى الله عليه وسلم) تحدثه فيها عن ابنها وتتضرع الى الله بعودته من البعيد.
    كانت سارة تشعر بأنها عالة عليهم في كرسيها المتحرك وكان جسدها النحيل يرتجف وهي تقرأ القرآن في رحاب المسجد العظيم وتحس برهبة المكان وصاحبه وتكاد تغشاها غيبوبة روحانية تفصلها عن الآخرين حولها.
    وفي سيارة الأجرة المغادرة الى مكة المكرمة كان الطريق طويلا وكان الحزن مسيطرا على روح وضحة تستقبله على نفس الموجة روح سارة وكان الصمت مخيما يتخلله الحديث العابر الذي يتبادله عبدالرحمن مع السائق.
    وفي منتصف الطريق توقفت السيارة لاستراحة قصيرة وترجل السائق وعبدالرحمن لأداء صلاة الظهر بينما صلت سارة وهي جالسة في السيارة حيث لا مكان نظيف في هذا المكان المقفر وقد شدت انتباه وضحة دورة مياه بائسة موجودة في هذا الطريق الخالي من العمران مع حيويته وربطه لأقدس مدينتين للمسلمين كافة، ولم تتأخر في العودة وهي تكاد تتقيأ من الروائح وتقول في انقباض لأختها :
    لا استطيع أن اصف لك ما رأيت. انه شيء لا يصدق، هل تعجز المملكة عن بناء مراحيض نظيفة في استراحات مزودة باحتياجات الحجاج ولوازمهم وتوظف عمالا على مدار الساعة للتنظيف. هل تبخل رؤوس الأموال الخيرة عن تمويل هذا المشروع، وحتى لو دفع كل حاج لقاء استعمال الحمام، إن هذا يحدث في الدول الأوروبية والأحرى بالمسلمين أن يبادروا بذلك لأن دينهم دين النظافة والطهارة وليس ترك المكان نجسا والناس آتون من بلادهم للتعبد والصلاة.
    اما سارة فقد فهمت اكثر عندما وصفوا لها موسم الحج وكيف تنتشر القذارة وتكاد تحول الطرق الى مرتع للزبالة وكيف إن أعدادا هائلة من البشر لا تتقيد بالنظافة ولا تملك حتى مأوى للإقامة وكيف تنام وتأكل في الطرقات والساحات بالأسابيع والأشهر..!!
    وعلقت وضحة :
    على الأقل عليهم إقامة استراحات حديثة مجهزة على طول الطريق لراحة المسافرين الذين لا ينقطعون. لا زلت لا استوعب المنظر الذي رأيته ولا اصدقه.
    واحست سارة بالخجل عندما تذكرت المعتمرين القادمين من بريطانيا الذين ملأ فوجهم بهوالفندق في المدينة المنورة، وعندما رأتهم كانت تشعر وكأنها تتطاول في السماء زهوا وفخرا. وقد اصبح للإسلام مريدوه الذين لا يتكلمون لغته ولا يعيشون بيئته ويتكبدون عناء الحج اليه تحببا وتقربا وطاعة للرحمن. إذا استنكرنا نحن ابناء البيئة الواحدة ما رأينا ولم نستطع مسايرته، وعافت انفسنا التأقلم معه، فماذا يقول هؤلاء الذين دخلوا الإسلام مؤخرا.. هل هذا الإسلام..؟؟ وهل يعيش المسلمون بهذه الطريقة :..؟؟
    وبدون وعي مسحت سارة دمعة كانت تتلألأ بين عينيها وقد مر ببالها من بحالتها الصحية وقالت لوضحة :
    إذا كان الأصحاء يعانون ويتألمون ويشكون بأن لا أحد يهتم لآدميتهم ولا يحترم انسانيتهم فما بالك بالمعوقين والمرضى الذين تسحقهم آلة الازدراء والأهمال وقلة الوعي والاهتمام.
    وهناك في البيت العتيق حيث اعتمر الأخوة، وقرأوا القرآن، وفاضت دموعهم وتحررت انفسهم من تبعاتها، وتخففت نفوسهم من اثقالها.
    يا ودود يا ودود، يا ذا العرش المجيد يا مبدىء يا معيد يا فعالا لما يريد، اسألك بنور وجهك الذي ملأ اركان عرشك واسألك بقدرتك التي قدرت بها على جميع خلقك، واسألك برحمتك التي وسعت كل شيء، لا إله إلا انت، يا مغيث اغثني، يا مغيث اغثني، يا مغيث اغثني.

    الرابع والعشرين
    التواطأ مع الأوجاع

    مرت الأيام وليس فيها سوى السقوط في العزلة والمزيد من الانطواء على الذات وكان ذلك ايذانا بدخول سارة مرحلة الوسوسة. لقد انفصلت عمن حولها وقد انشغلت وضحة بزيارات المستشفى وامور اطفالها وتدريسهم وشئون بيتها ولم تعد تزورهم سوى مرة بالأسبوع بينما كذلك حال فاطمة مع اولادها من جهة وارتباطها بزيارة اهلها من جهة.
    واصبحت سارة حبيسة المقعد وجليسة المنزل والمسافرة بدنيا الأوهام. حتى الأحلام اصبحت مصدر رعب.. . لم تكن كوابيس بل كانت حكايات لأحداث مرعبة ولنفوس شريرة حاقدة. كانت تعزز الوحدة وتمعن في الغوص بقاع النفس لدرجة التوحد مع الأحلام وفهمها وفك طلاسمها. كانت تحكي الأحزان والآلام كأنها تأكدها مرات عديدة ، مرة في الواقع ومرة في المنام ومرة ثالثة ورابعة وخامسة في الإعادة والتفكير والتكرار.
    عندما يفقد الإنسان شهيته للتواصل مع لعبة الحياة ينفصل عن الآخرين ويهوي في لجة النفس لتطويه تهيؤات بائسة وتسكنه روح خائرة، وتفقده صلاحيته نفسه الميتة. تصبح الدموع مستوطنة في حدقة العين لا يحتاج لمجهود ليدعها تجري في مسارها الصاخب.
    وتصبح الغصة متوطنة الحنجرة، ليس هناك بمهرب من استعادة الأشياء المحملة بذكريات حياة نابضة سابقة لتبدأ الانقباضات المتوحشة بحجب التنفس وخنق النبض البائس وكسر الادعاء و التماسك..!!
    تصبح الذاكرة حينها عبئا محملا بالألم فتبدأ رحلة الهرب من الماضي، كمحاولة لقهر الألم والذكريات ولتمحيه القدرة على تذكر الأحداث ومحاولة تغييبها تحررا منها وما تحمله من عذاب. انه شعور الخوف من القادم وفقدان الأمان وعدم الثقة بالآخرين.. هذا هو الإرث الذي التصق بها ولا تستطيع الفرار منه.
    بعد غدر سالم.. وبعد تخليه عنها وبعد تحلل معادلات النجاح بين اصابعها وبعد ان عاجلها القدر باللطمة تلو اللطمة و الصفعة اثر الأخرى، بعد كل الذي حصل لها بحيث حاصرتها الأحداث في زاوية و امعنت في محاصرتها و الضغط عليها دون رحمة، بعد كل ذلك.. هل تتوقع كإنسانة مجروحة ومطعونة ومنبوذة ان تثق بالزمن والأيام والآخرين..!! بعد ان فقدت توازنها وتزعزعت ثقتها بنفسها بعد ان انهار عالمها بالكامل واضاعت آمالها واصبحت لا تفهم ما يدور حولها..!!
    هل يمكن ان يكون حكمها سليما او تصورها عن الأشياء موزونا..؟؟
    بالطبع كلا.. انها تعاني من ازمة حادة بحيث لا تصلح بأن تكون هي القيمة على تفكيرها وعلى رؤيتها للأمور. لقد تمادت في احزانها لدرجة انها غرقت فيها لدرجة الاختناق فما عادت بالفعل قادرة على التنفس انها لم تعد تستحمل هذه الكمية من الأحزان والسوداوية والعزلة. اعماقها ترفض ما تحاول روحها محاصرتها فيه غير راضية بما تسعى نفسها لسجنها داخله.
    إذا طال أمد الأحزان وإذا تجذرت ذوائبها فإنها لا تقتل فقط ولكنها تعذب ايضا قبل الموت. عندما يفقد الإنسان ما يدفعه للبقاء وما يهبه السعادة والبهجة، عندما يستأصل هدفها منه ولا يبقى ما يعيش لأجله، وتموت رغباته فلا يبقى لديه هدف يدفعه للاستيقاظ صباحا واستقبال يومه، عندها يفقد القدرة على الارتباط بالحياة فإن قواه تضمحل وتضعف وفجأه يحس بأنه يكبر ويشيخ بسرعة، فجأة يضعف بصره وسمعه وبقية حواسه وتنتابه الآلام العضوية المتفرقة. ان احزانه النفسية تفتت بالفعل مقاومته وتضعفها فيصبح عرضة للإصابة بالأمراض والبكتريا والفيروسات وكل امراض الدنيا التي سمع بها واخترعها، واكثر تأثرا بالارتدادات المنعكسة من الداخل.. .!! وعندما يرفع وجهه بغتة في المرآة يجد وجها عبوسا تعلوه تقطيبة حادة بائسة تعكس وضعه الداخلي..!!
    ها هي البئر تعمق وتغور وهي تسقط فيها باستسلام رغم الخوف والهلع والآلام.
    انها بانسحابها من الحياة تتخلى عن اسلحتها ولا تقاوم الاندثار والتحلل، لذلك فهي تكبر وتمرض وتنهار، انه التسلسل الطبيعي لأعراض فقدان شهية الحياة..!!
    فالحياة تمنح تجددها وشبابها وحيويتها للمقاومين المحاربين المتوهجين، تسقيهم اكسيرها المتلألىء، اما المنسحبون المنهارون من لعبتها فليس لهم سوى الذبول والانكسار والتهشم..!! كل حاسة لا نستخدمها تذبل وتموت، كذلك الذاكرة اذا كنا نهرب منها فإننا نئدها وندفنها في بئر سحيقة في قاع انفسنا المظلمة ونفشل بعدها في استعادتها مهما عصرنا الذهن واستجديناه. وإذا وضعنا الحواجز للبعد عن الآخرين وفقدنا بوصلة التواصل معهم نظل غرباء عنهم وتنبت غابة موحشة بالصمت والملل لا نفلح بتخطيها اوتجاوزها ابدا..!!
    انها لم تكن تكابر وتدعي بأن الأمور تسير طبيعيا من فراغ بل لأنها لم تكن تعرف شيئا بالفعل، كانت متخبطة من المصائب التي حلت دون تفسير اواستئذان اواعتذار وتمهيد..!! وكان عليها ان تتبنى موقفا ما، منذ صراعها في العمل وضغط سالم عليها وهجره، كان عليها ان تنهض صباحا وتواجه الآخرين بشيء ما.. بنفسية ما وما كان بإمكانها سوى ان تضغط وتدوس على نفسها وتربط جرحها بحزمة ملح وتتابع طريقها..؟؟
    كان عليها ان تبتسم وتجاري غيرها وتتابع مزاولة واجباتها والتزاماتها، اما تلك الفجوة المملوءة بالصخب والغضب والفوضى والتيه داخلها فلا تعرف كيف تروضها وتسكتها وتخدرها وتطفئ نيرانها المتوهجة..؟؟ عندما تختلط الأمور وتتخبط الدروب عندما يكون الناس متفرجين والمجروح صامداً. فإن الغصة المزروعة في الحلق تطمس كل ملامح التواصل مع الآخرين وتتفشى الوحشة في النفس وتعزلها وتفصلها بوادي سحيق بلا قرار.
    كأنها ارتدت قناعا على وجهها طيلة ذلك الوقت العصيب، كأنها نهضت من نومها وقد التبست حالة دفاعية لمواجهة هذا العالم اختبأت خلاله روحها الأصلية التي اضاعت ثقتها بكل شيء ولم تعد تعرف كنه الأرض التي تقف عليها. عندما تفقد الثقة بنفسك وبالآخرين، ماذا يبقى..؟؟ وكان عليها اكتشاف هويتها المفقودة بعد زوبعة الصدمة، واجتلاء الحقيقة وليس اعتماد القناع كواقع..!!
    هذا الماسك الذي ترتديه بدأت تشعر بزيفه وبدأت روحها الحقيقية تتشكل داخلها وتعيد بناء ذاتها، وبدأت براعمها بالتنفس والتفكير. لقد ادركت اخيرا ولم تكن تعطي الموضوع اهمية ولم ترغب بمنحه اكبر من قيمته ولكنها مضطرة للاعتراف بان اليد التي حطمتها بالفعل كانت يده، فما اصعب ان يتخلى عنها بهذه السهولة.. فعندما هجرها سالم وتخلى عنها فجأة بكل قسوة وجبروت تمكن من تحطيمها مئة مئة الف قطعة. الم يكن بإمكانه الانسحاب باعتذار واحساس بالذنب لعدم قدرته على التواصل معها لاختلاف شخصياتهما وهذا ليس عيبا فيه اوفيها فكل يعتز بكيانه وبقيمته وبأسلوبه واختلاف الرأي يجب الا يفسد وينسف للود قضية..!! هل عز عليه ان يكون ودودا حنونا ويطلب السماح والغفران لأن ليس بإمكانه متابعة الطريق معها ولا يعني ذلك عيبا فيها ولكن طباعهما ما عادت قادرة على الالتحام والتواصل والفوارق بدأت تطل من الثقوب الواسعة وتتسع آفاقها بينهما، وستتحول بعد حين الى صراع وتضارب عليهما عدم الوصول الى محطاته العقيمة..؟؟ لم لم يحاول ان يعتذر بأي عذر يكشف تعاطفه مع خسارتها ويهبها نوعا من التعاطف بفقدها..؟؟ هل يجب ان يبادر الى الهجوم واللؤم والتأنيب والترفع كأسلوب للتفكك من علاقتهما..؟؟ هل يستمرىء اسلوبه المعتاد بمهاجمة الآخرين حتى يتجنب لومهم ومساءلتهم واستجوابهم ويسبق حسابهم وشكواهم وينجو بفعلته ولا يصيبه ولا حتى عتابا واحدا..؟؟
    انها لم تخسره فقط كخطيب وزوج مستقبلي ولكنها خسرت نفسها عندما تركها بهذا الأسلوب الغريب الذي حطمها نفسيا بمعاول التشكيك بأسبابه وثقتها بصفاتها كإنسانة..؟؟ ومثل عليها دور الغاضب والمنزعج لتصرفاتها التي لا تطاق ولم يكن احد بجوارها ليضيء لها عتمة هذا الجانب، ولم تمنح احدا تلك المساحة ليهبها الثقة بالنفس ويجعلها تؤمن بأنها لم تخطئ كما افهمها واوحى اليها وكل المسألة انه اكتشف انهما دربان متوازيان لا يمكنهما الالتقاء ولو حفرا السدود والقنوات، وكل تنازل من طرف سيكلفه غاليا من تكوينه النفسي والعصبي وقناعاته الفكرية.!!.
    لم تفهم بأن كل المسألة انه يبحث له عن درب جديد بعد ان اكتشف ان دربها محفوف بالأخطار وانها شخصية مشاكسة سريعة الاشتعال. المسألة ببساطة انه يحلم بحياة اخرى ليست معها وان كان معجبا بها في السابق ولكنه تسرع بالخطوبة واعتقد إنها شريك يسهل التلاعب بمصيره، ولم يفهم الفرق بين ان تعجب بشخص وان تملك الثمن لتدفعه لمعاشرته. انها تعلم بانها شخصية غير عادية وتحتاج الى رجل غير عادي. انها نسيج بمفرده لا تتنازل ولا تحيد عن طريق مرسوم امامها وهو رجل يريد ان تكون له السيطرة ولو بالشكل ويحب ان تكون امرأته ضعيفه ولو بالتمثيل. ويحب ان يشعر بأنها تحتاجه وانها ليست بمستواه الفكري وانها اقل منه حنكة وتدبيرا، وإن تطورها فقط ليخدمه عندما يتشدق عن تطور المرأة وتحررها وإثبات وجودها امام أصدقائه وضيوفه.
    لقد علم بأنها لن تتنازل قيد انملة عن قناعاتها ولو كان الثمن ابتعاده وفسخ خطوبته وخسارته، ولقد كانت مصالحه مع المؤسسة أهم وأثمن لديه وهو الذي يدير مكتبا هندسيا كبيرا يعتمد لتدفق شرايينه الحصول على مناقصات المؤسسة ومشاريعها، هل يفرط بكل ذلك من اجلها..؟؟ هل يقايض كل مستقبله واحلامه ودوره المهني بمغامرة العيش معها وخصوصا الآن بعد أن عرف بأمر الحادث وإنه تركها مقعدة..؟؟ لعله لم يواجهها ولم يخبرها ايا من هذه الأعذار والمخاوف لأنه قد يكون خشي من تأثيرها عليه، لعله اراد أن يحمي تفسه من محاولاتها الدفاعية وتغيير افكاره، لعله اراد ان الا يسقط في فخ رقتها الأنثوية ولا ان يضعف امام دموعها وتشكيكها بأنه مخطئ، خشي بأن تقنعه بآرائها ، لعله اراد فقط ان ينجو بجلده مهما يكون الثمن ولو كان تحطيمها ولا تدري هل ادرك تأثير ذلك عليها وهل حسب حسابه. .؟؟ هل فكر فيه..؟؟ هل آلمه..؟؟ ام انه لم يخطرعلى باله اوانه خطر ولكن لم يبال به..!! لذلك فقد كثف هجومه وسلح نفسه للاعودة ولإبادة اية محاولة لكسبه واستمالته، ولم يعلم بأنها ستصدقه ولن تحاول مجادلته في موقفه ولن تحاول تغييره أوالتمسك به..؟؟ لهذه الدرجة كانت مصدومة حتى من سؤاله.. لماذا..؟؟ لم يعلم بأنها ستتماهى معه ضد نفسها وانها ستتركه يمسك السياط لتعذيبها دون ان تردعه. هناك مستبدون حاربوا بشراسة ليثبتوا براءتهم وهناك طغاة لم يستكينوا ويستسلموا بل ارتدوا مسوح الأبرياء لآخر لحظة.
    كان يقول لها دائما انها قوية ويا جبل ما يهزك ريح وكان يخشاها اكثر مما يتعاطف معها، ولم يدرك بأنها آنية عرضة للتهشم عندما يوقعها من بين يديه، وإن تلك الشرسة اللبؤة استحالت الى خرقة من الهشاشة و الضعف عندما تنكر لها وادار ظهره عنها، وان قوتها لم تحمها من الشفافية والانهيار، ولكنه محق في انها لن تتغير ولن تتنازل عن رأيها وإنها لن تتراجع قيد انملة عن قناعاتها، وحبها له لن يشفع له تخليها عن رأسها..!!
    الا يقال بأن هناك عقدة تنشأ من كل ازمة، والعقدة تتفاقم وتصبح كابوسا.. ولقد اصيبت بعدم الشعور بالأمان وعدم الثقة بالزمان وبالآخرين، وترقب السيىء بتمهيد الأسوأ منه، وعدم السماح له بمفاجأتها مرة اخرى، بل هي كامنة متحفزة بحواسها بانتظاره بأقسى الاحتمالات المتوقعة، لقد تمادت وتمادت بتفكيرها وافترضت اسوأ الاحتمالات التي قد تصيبها، وتحصنت بها لقد اصبحت مثل الذي يحمل كفنه على كتفيه منتظرا موته في أي لحظة، لقد سقت نفسها العذاب واسوأ الاحتمالات كأنها تهزأ من القدر بأنه لن يصدمها ابدا مرة اخرى، فهي هناك بانتظاره مفتوحة العينين مصدوعة القلب، ومن مات مرة لن يموت مرتين..!!
    قهر كامل مخزون داخلها كالبركان الذي يشتعل رويدا رويدا ويحرق ما في طريقه، البراعم والجذور والحواشي إيذانا بالانفجار الأكبر. انه شعور بالانقباض كأن يدا كونية تعصر وجدانها وتستمر بالضغط عليه كأن لوعة طاغية تملأ جوفها وتثقل رأسها وتكبس على عيناها ليتفجر الألم في عروقها.
    يا لهذا الحزن المتدفق على العالم كغيمة عملاقة تظلل الوجود كله تهمي بأمطارها الرتيبة وتسقط وتسقط مجرد تساقط لا ينتهي ولا يمل ويقذف امطارا مستمرة.. مجرد استمرار، امطار متواصلة.. مجرد تواصل، انها متقوقعة في زاوية مهجورة داخل نفسها جالسة القرفصاء تؤنب ذاتها وتأكل في روحها وتأجج عذابها.
    هكذا الأحزان ولكنها ايضا غصة في الجوف ودمعة متلألئة في الأحداق..!!
    طالما تساءلت.. لماذا هذه الغصة..؟؟ وكيف تستطيع احالة الكون كله الى كتلة من الحزن والانسحاق..؟؟
    استطاع الإنسان ان يكتشف الذرة ويحلل القضايا ويضع القوانين ويشرح الخفايا واصبح لكل مشكلة حل ولكل داء دواء الا النفس الإنسانية التي ظلت غابة بكرا تزداد تمنعا وغموضا كلما احس الإنسان بأنه اقترب منها. لا يمكن ان يكتشف طلاسمها مخلوق ولا ان يفك لغزها بشر.
    لا يوجد اكسير لمداواة الأرواح المجروحة التي جبرها اصعب ملايين المرات من كسرها..!!
    كل هذا الانهيار وهذا الغياب وهذه الصدمة ولدوا القنوط وقتلوا البهجة وخنقوا الفرحة في فؤادها المكلوم. ان هي خرجت من دوامتها الداخلية وجدت الدنيا المبطنة بالفقد تحيط بها. انها ببساطة لا تستطيع ان تكون صفحة بيضاء من المشاعر ولا تستطيع ايضا ان تساير الأوضاع بتجدد، ولا تستطيع ان تحول النفس الكسيرة الى اخرى طبيعية بتجرد.
    هذه النفس لا تزال تئن وتتوجع من آثار الهدم والتحطيم من معاول التشكيك والكراهية، ما زالت مغيبة تذروها الرياح وقد احبطت كل مساعيها لتدرك ما يدور حولها.
    مثلما لا ترى العين المجردة ملايين الذرات المتطايرة في الهواء التي لا تكشفها سوى الأشعة الدقيقة ومثلما لا يستطيع العقل البشري تفسير معرفة ساحر او مشعوذ غريب في بلد غريب لاسم والدته او يكشف له عن امر شخصي لا يمكن التكهن به، و مثلما تستطيع النفس خداع صاحبها و تمويهه فيمرض و لا يدري انه سبب الداء، مثلما رأت بأم عينها بأن التقلصات الجسدية التي كانت واضحة على جسدها والآلام التي تدفعها للدوار والرغبة بالتقيؤ ولم تكن بتاتا لأسباب عضوية بل نفسية كانت هي وراءها من شدة ضيقها وحزنها وكربها دون ان تدري..!! مثلما تتكلم عن امر وتجده يحدث اوتفكر به وإذا بها تسمع شيئا بحدوثه.. كل هذه الأمور دعتها الى الإيمان بأننا نسير حول قدر مكتوب.


    وللأحداث بقية

      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء ديسمبر 12, 2017 2:32 pm